أعلن الاتحاد الدولي للاتصالات تعيين الدكتور محمد الكويتي رئيساً للمجموعة الإقليمية العربية التابعة للجنة الدراسات 17 في قطاع تقييس الاتصالات، في خطوة تعكس تنامي الحضور العربي في ملفات الأمن الرقمي والمعايير الدولية المرتبطة به. وجاء الإعلان بعد الاجتماع الافتراضي للمجموعة الذي خُصص لمتابعة أولويات الدول العربية في هذا المجال خلال مايو 2026.
وتُعد لجنة الدراسات 17 من أبرز اللجان المتخصصة في الاتحاد الدولي للاتصالات في قضايا أمن المعلومات، إذ تتولى تطوير معايير دولية تمتد إلى الأمن السيبراني، وإدارة الهوية، والخصوصية، والتقنيات الناشئة. ويمنح هذا الدور اللجنة مكانة مؤثرة في الربط بين احتياجات الحكومات والمؤسسات من جهة، ومتطلبات التقييس العالمي من جهة أخرى، بما يدعم بناء بيئات رقمية أكثر موثوقية واستقراراً.
دور عربي في صياغة المعايير الرقمية
يأتي هذا التعيين في وقت تتسارع فيه الحاجة إلى تنسيق المواقف الإقليمية داخل المنظمات الدولية المعنية بالتكنولوجيا، خصوصاً مع تنامي التهديدات السيبرانية وتوسع الاعتماد على الخدمات الرقمية في القطاعات الاقتصادية والحكومية. ومن شأن رئاسة المجموعة العربية أن تمنح دول المنطقة مساحة أوسع للتأثير في النقاشات الفنية التي تحدد مستقبل الحوكمة الرقمية وحماية البيانات والثقة على الإنترنت.
ويملك الدكتور الكويتي خبرة ممتدة في قيادة ملفات الأمن السيبراني على المستويين الوطني والدولي. وخلال السنوات الماضية، أسهم في ترسيخ موقع دولة الإمارات بوصفها أحد اللاعبين البارزين في منظومة الأمن الرقمي، إلى جانب دعم قنوات التعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية العاملة في هذا المجال.
كما ارتبط اسمه بعدة مبادرات لتعزيز التنسيق العربي في مواجهة المخاطر الرقمية وتبادل الخبرات، وهو ما جعل اختياره لهذا المنصب الجديد يحمل دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى بعد عملي يتعلق بالقدرة على تحريك التعاون الفني بين الدول العربية داخل المنظمات المتخصصة.
أهمية التعيين في اقتصاد رقمي أكثر أماناً
يرتبط الأمن السيبراني اليوم مباشرة بقدرة الاقتصادات الرقمية على النمو، إذ لا يمكن تعزيز التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والبنى السحابية، والذكاء الاصطناعي من دون إطار موثوق يحمي الأنظمة والبيانات والمستخدمين. ولهذا تُنظر إلى لجان التقييس الدولية باعتبارها أحد الأدوات الأساسية التي تحدد قواعد التشغيل الآمن والمشترك بين الأسواق والقطاعات.
وفي هذا السياق، يعزز تعيين الكويتي فرص مواءمة الأولويات العربية مع المعايير العالمية، خاصة في المجالات التي تشهد تطوراً سريعاً مثل الهوية الرقمية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر على الإنترنت، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الدفاع السيبراني، ونماذج الحوكمة القابلة للتوسع. كما يفتح المجال أمام حوار أوسع حول تمويل المبادرات وبناء القدرات وتطوير الشراكات بين الجهات الوطنية والمنظمات الدولية.
وخلال الاجتماعات المرتبطة بهذا التعيين، جرى التأكيد على أهمية استمرار التعاون بين مجلس الأمن السيبراني في دولة الإمارات والاتحاد الدولي للاتصالات، مع بحث آليات تعزز استدامة المشاريع المشتركة وتدعم مرونة البنى الرقمية في المنطقة العربية. كما طُرحت أفكار مرتبطة بإنشاء منصات أو مراكز لتسريع الأمن السيبراني، إلى جانب توسيع استخدام أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحسين الاستجابة للتهديدات.
الإمارات تعزز موقعها في منظومة التقييس الدولية
يعكس هذا التطور أيضاً استمرار الحضور الإماراتي في المحافل الدولية ذات الصلة بالأمن الرقمي. فقد حققت دولة الإمارات أعلى تصنيف في مؤشر الأمن السيبراني العالمي لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ضمن فئة «النموذج الريادي»، بعد حصولها على درجة كاملة في جميع المحاور الخمسة للمؤشر. ويُعد هذا الإنجاز أحد المؤشرات على نضج المنظومة الوطنية وقدرتها على مواكبة متطلبات الأمن الرقمي المتقدم.
كما ساهمت الشراكة بين مجلس الأمن السيبراني في دولة الإمارات والاتحاد الدولي للاتصالات في بناء أحد أكثر أطر التعاون نشاطاً بين جهة وطنية ومنظومة أممية في هذا القطاع، وهو ما منح الدولة حضوراً مؤثراً في مسارات النقاش المتعلقة بالتقييس والحماية والثقة الرقمية. ويُتوقع أن يضيف المنصب الجديد للكويتي بعداً إضافياً إلى هذا الزخم المؤسسي.
وقال الدكتور محمد الكويتي إن دولة الإمارات ماضية في تطوير بيئة رقمية آمنة تدعم الابتكار وتواكب التحول المتسارع نحو الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن بناء مستقبل رقمي مزدهر يتطلب رؤية استباقية قادرة على التعامل مع المخاطر قبل تفاقمها. وتنسجم هذه الرؤية مع الاتجاه العالمي الذي يربط بين الأمن السيبراني والمرونة الاقتصادية والقدرة على الاستفادة من التقنيات الحديثة.
توقعات المرحلة المقبلة
من المنتظر أن تركز المجموعة الإقليمية العربية خلال المرحلة المقبلة على توسيع المشاركة العربية في أعمال لجنة الدراسات 17، وتعزيز التنسيق حول الموضوعات التي تمس بنية الاقتصاد الرقمي في المنطقة. ويشمل ذلك تطوير مواقف فنية مشتركة، ورفع مستوى الخبرات المتخصصة، ودعم مشاركة الخبراء العرب في اللجان الدولية ذات الصلة.
كما يُتوقع أن يزداد الاهتمام بملفات الأمن والثقة والمرونة الرقمية، لا سيما مع توسع الاعتماد على الخدمات الحكومية الإلكترونية، والمدفوعات الرقمية، والمنصات المعتمدة على البيانات، والأنظمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وفي مثل هذا السياق، يصبح التقييس أداة استراتيجية لا تقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية أو التشريعات التنظيمية.
ويمنح تعيين الدكتور محمد الكويتي فرصة لتأكيد أن المنطقة العربية لم تعد مجرد متلقٍ للمعايير الرقمية، بل باتت طرفاً أكثر حضوراً في صناعتها وتطويرها. ومع اتساع النقاش العالمي حول الحوكمة الرقمية والأمن السيبراني، تبدو المشاركة العربية المنظمة أحد العوامل الأساسية لضمان أن تعكس المعايير الدولية احتياجات الأسواق الناشئة والاقتصادات الرقمية في المنطقة.