سجّل مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي قفزة تاريخية، بعدما اخترق مستوى 9 آلاف نقطة للمرة الأولى في تاريخه، في جلسة عززتها موجة صعود قوية لأسهم شركات أشباه الموصلات وسط استمرار الحماس العالمي تجاه تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأغلق المؤشر القياسي مرتفعاً 199.60 نقطة، أي بنسبة 2.25 في المائة، ليصل إلى 9063.84 نقطة، وهو أعلى إغلاق يحققه على الإطلاق. وجاءت المكاسب الجديدة امتداداً لاتجاه صعودي تقوده منذ فترة أسهم التكنولوجيا الثقيلة في السوق الكورية.
الرقائق تقود الارتفاع
كان الدور الأكبر في هذا الصعود من نصيب سهمي سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس، وهما من أكبر مكونات المؤشر وأهم اللاعبين عالمياً في صناعة الذاكرة الإلكترونية. وارتفع سهم سامسونغ 4.62 في المائة، بينما قفز سهم إس كيه هاينكس 6.51 في المائة، لتسجل الشركتان مستويات إغلاق قياسية جديدة.
وتستحوذ الشركتان معاً على أكثر من نصف القيمة السوقية للمؤشر، ما يجعل تحركاتهما قادرة على تغيير اتجاه السوق بأكمله. ويعكس الأداء القوي لهذين السهمين استمرار الرهانات على أن الطلب المرتبط بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي سيبقى المحرك الأبرز لسوق الرقائق خلال الفترة المقبلة.
وأعلنت إس كيه هاينكس أنها بدأت شحن عينات من أحدث رقائق الذاكرة عالية النطاق الترددي إلى كبار عملائها، في خطوة تُظهر تقدمها في سوق يُعد من أكثر القطاعات تنافسية وحساسية للطلب التكنولوجي العالمي. وتُستخدم هذه الرقائق على نطاق واسع في التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.
السوق تتجاوز الرقائق لكن بقية الأسهم تتراجع
رغم المكاسب الكبيرة في قطاع التكنولوجيا، لم يشمل الزخم بقية السوق. فقد تراجعت معظم الأسهم الكبرى الأخرى المدرجة على المؤشر، بما في ذلك شركات صناعية واستهلاكية وعاملة في قطاع البطاريات والسيارات.
وانخفض سهم إل جي إنرجي سوليوشنز 3.85 في المائة، بينما هبط سهم هيونداي موتور 2.75 في المائة، وتراجع سهم كيا 4.51 في المائة. ومن بين 917 سهماً جرى تداولها خلال الجلسة، ارتفعت أسعار 109 أسهم فقط، مقابل تراجع 791 سهماً، ما يوضح أن المكاسب كانت مركزة بدرجة كبيرة في عدد محدود من الأسماء القيادية.
هذا التباين يشير إلى أن السوق الكورية تعيش مرحلة يقودها قطاع أشباه الموصلات بشكل واضح، بينما تظل قطاعات أخرى تحت ضغط عوامل محلية وخارجية، من بينها تباطؤ الطلب العالمي وتقلّبات العملات وتباين توقعات النمو.
تدفقات أجنبية وتحذير رقابي
استقطب السوق دعماً إضافياً من المستثمرين الأجانب، الذين سجلوا صافي مشتريات بقيمة 1.3 تريليون وون، أي ما يعادل نحو 851.4 مليون دولار. ويعكس ذلك استمرار ثقة المؤسسات الدولية في أسهم التكنولوجيا الكورية، رغم صعودها الحاد خلال الفترة الأخيرة.
في المقابل، أصدرت هيئة الرقابة على الأسواق المالية في كوريا الجنوبية تحذيراً للمستثمرين بشأن منتجات استثمارية ذات رافعة مالية مرتبطة بأسهم فردية، وهي منتجات شهدت طرحاً حديثاً بالتوازي مع الارتفاع القوي في السوق. ويأتي هذا التحذير في وقت تتزايد فيه المخاوف من المخاطر المرتبطة بالمضاربة المكثفة على الأسهم ذات الزخم العالي.
وترى الجهات التنظيمية أن الارتفاع السريع في بعض الأصول قد يدفع المستثمرين الأفراد إلى تحمل مستويات مخاطرة أكبر مما يقدّرونه، خصوصاً عندما تُبنى المنتجات الاستثمارية على حركة سهم واحد أو مجموعة صغيرة من الأسهم المتقلبة.
العملة والسندات تعكسان ضغطاً أوسع
في أسواق العملات، تراجع الوون الكوري الجنوبي إلى 1527.1 وون مقابل الدولار عند الإغلاق، منخفضاً 0.76 في المائة عن الجلسة السابقة. ويشير ضعف العملة إلى أن قوة الأسهم لم تكن كافية لتعويض الضغوط الأوسع على الأصول المحلية.
أما في سوق السندات، فارتفع عائد سندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات، الأكثر تداولاً، بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.745 في المائة. كما صعد عائد السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 2.3 نقطة أساس ليبلغ 4.1 في المائة، في إشارة إلى توقعات أكثر حذراً حيال اتجاهات التضخم والسياسة النقدية.
ما الذي يعنيه تجاوز 9 آلاف نقطة؟
يمثل اختراق كوسبي مستوى 9 آلاف نقطة علامة رمزية مهمة للسوق الكورية الجنوبية، ليس فقط لأنه مستوى غير مسبوق، بل لأنه يعكس إعادة تسعير دور الشركات التكنولوجية في الاقتصاد المحلي. فالتفوق في قطاع الرقائق لم يعد مجرد ميزة دورية، بل أصبح عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه المؤشر بأكمله.
كما أن هذه القفزة تعزز موقع كوريا الجنوبية كأحد المراكز الحيوية في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي العالمية، خاصة مع استمرار السباق بين شركات التقنية الكبرى على الحصول على رقائق الذاكرة عالية الأداء والقدرات التخزينية المتقدمة. وفي الوقت نفسه، يبقى اتساع الفجوة بين الرابحين والخاسرين داخل السوق مؤشراً على أن موجة الصعود لا تزال انتقائية، وليست شاملة لكل القطاعات.
وبينما تتجه الأنظار إلى ما إذا كان المؤشر سيتمكن من الحفاظ على مستوياته الجديدة، يظل قطاع أشباه الموصلات العامل الأكثر تأثيراً في أي تحرك قادم، سواء من حيث الأرباح أو التدفقات الاستثمارية أو حتى ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.