الأعمال والاقتصاد الرقمي 05-Jun-2026 5 دقائق قراءة

مخاوف الذكاء الاصطناعي تدفع الأسهم الآسيوية إلى التراجع وسط هبوط حاد في «كوسبي»

تراجعت الأسواق الآسيوية بقيادة كوريا الجنوبية مع موجة بيع طالت أسهم التكنولوجيا والرقائق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بعدما زادت إشارات الضعف من بعض الشركات الأميركية الكبرى المخاوف بشأن تقييمات القطاع وآفاقه القريبة.

تراجع آسيوي واسع بفعل موجة بيع في التكنولوجيا

شهدت الأسواق الآسيوية جلسة متراجعة، في وقت قاد فيه القطاع التكنولوجي الخسائر بعد ضغوط قوية على أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق. وجاء الهبوط مدفوعاً بمخاوف المستثمرين من استمرار الارتفاعات الحادة التي حققتها هذه الأسهم خلال الفترة الماضية، بعد أن تلقى القطاع إشارات سلبية من «وول ستريت» انعكست سريعاً على المعنويات في آسيا.

وكانت كوريا الجنوبية في مقدمة الأسواق المتأثرة، إذ فقد المؤشر الرئيسي أكثر من 5 في المائة خلال التداولات، في واحدة من أشد الجلسات ضعفاً خلال الفترة الأخيرة. كما تعرضت أسهم شركات كبرى في صناعة الذاكرة والرقائق لضغوط واضحة، ما زاد من حدّة التراجع في السوق المحلية.

الرقائق والذكاء الاصطناعي يقودان الخسائر

امتدت الضغوط من السوق الأميركية إلى شركات مرتبطة مباشرة بمنظومة الذكاء الاصطناعي، بعدما هبط سهم «برودكوم» بشكل حاد عقب توقعات مستقبلية جاءت أضعف من تقديرات المستثمرين. وأعاد ذلك طرح تساؤلات حول سرعة نمو الطلب في القطاع وحول ما إذا كانت التقييمات قد سبقت الأساسيات التشغيلية لبعض الشركات.

كما تراجع سهم «مايكرون تكنولوجي» في جلسة متأثرة بضعف الشهية نحو أسهم الرقائق، بينما خسر سهم «كراود سترايك هولدينغز» جزءاً من قيمته أيضاً تحت ضغط بيئة تداول أكثر حذراً تجاه شركات التكنولوجيا عالية النمو. ورغم ذلك، بقيت المؤشرات الأميركية الرئيسية متباينة، مع تسجيل «داو جونز» مستوى قياسياً جديداً، في حين أنهى «ناسداك» الجلسة على انخفاض طفيف.

وفي آسيا، انعكست هذه التحركات بوضوح على شركات التصنيع المرتبطة بالشرائح الإلكترونية، حيث هبط سهم «إس كيه هاينكس» بشكل ملموس، كما تراجع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» بأكثر من 5 في المائة. وتُعد الشركتان من أبرز المستفيدين خلال موجة الصعود العالمية المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما جعل أسهمهما أكثر حساسية لأي إشارة تباطؤ.

كوسبي يتعرض لضغوط بعد صعود قوي

انخفض مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنحو 5.1 في المائة ليصل إلى 8185.62 نقطة في منتصف الجلسة، بعد فترة من الأداء القوي الذي ضاعف تقريباً قيمة المؤشر خلال العام الماضي بدعم من مكاسب شركات التكنولوجيا. ويعكس هذا التحرك مدى اعتماد السوق الكورية على قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يجعلها من أكثر الأسواق عرضة للتقلبات عندما تتغير شهية المستثمرين العالمية.

وفي اليابان، تراجع مؤشر «نيكي 225» بنحو 1.4 في المائة، متأثراً أيضاً بأسهم التكنولوجيا، رغم صدور بيانات رسمية أظهرت ارتفاع الأجور الحقيقية للشهر الرابع على التوالي. وسجل سهم «طوكيو إلكترون» انخفاضاً حاداً، في إشارة إلى اتساع دائرة التصحيح لتشمل شركات المعدات المرتبطة بصناعة الرقائق.

أما في هونغ كونغ، فقد انخفض مؤشر «هانغ سينغ» بنسبة 0.8 في المائة، في حين خالف «شنغهاي المركب» الاتجاه العام وصعد بشكل محدود. وفي أستراليا، انخفض مؤشر «إس آند بي/إيه إس إكس 200»، كما تراجع المؤشر التايواني، بينما سجل مؤشر «سينسيكس» الهندي ارتفاعاً طفيفاً.

صعود سابق للذكاء الاصطناعي يواجه اختباراً جديداً

تأتي موجة التراجع الأخيرة في وقت ما زالت فيه الأسواق العالمية تعتمد جزئياً على قصة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد أهم محركات الصعود في الأسهم خلال الأشهر الماضية. فقد ساعدت الأرباح القوية لبعض الشركات وتزايد الإنفاق الرأسمالي على البنية التحتية الرقمية في دفع مؤشرات عدة إلى مستويات قياسية.

لكن هذا الزخم يواجه الآن اختباراً أكثر صعوبة، مع ارتفاع المخاوف من المبالغة في التقييمات، واشتداد حساسية المستثمرين تجاه أي نتائج أو توقعات تقل عن التقديرات المرتفعة مسبقاً. ويبدو أن الأسواق أصبحت أقل تسامحاً مع الإشارات التي توحي بأن وتيرة النمو قد لا تبرر الأسعار الحالية لبعض الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

كما أن انتقال الضغوط من أسهم فردية إلى مؤشرات إقليمية كاملة يعكس طبيعة الترابط في سلاسل القيمة التكنولوجية، حيث تؤثر نتائج الشركات الأميركية الكبرى مباشرة على موردي الرقائق والمكونات والإلكترونيات في آسيا. وهذا ما يفسر سرعة انتشار التراجع من «وول ستريت» إلى كوريا الجنوبية واليابان ثم بقية الأسواق في المنطقة.

الطاقة والعملات تضيفان طبقة أخرى من الحذر

لم تقتصر التحديات على أسهم التكنولوجيا وحدها، إذ بقيت أسعار النفط مستقرة نسبياً بعد تراجع سابق، وسط استمرار المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بإمدادات الطاقة. وظلت الأسواق تتابع تأثيرات اضطراب الممرات البحرية الرئيسية على تكاليف الشحن والتضخم، وهو عامل يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الاقتصادي العالمي.

وفي أسواق العملات، تحرك الدولار والين واليورو ضمن نطاقات محدودة، لكن الين بقي تحت ضغط واضح بالقرب من مستوى 160 يناً للدولار، ما أبقى المستثمرين في حالة ترقب لأي تدخل محتمل أو تحرك رسمي من السلطات اليابانية. وتزيد هذه الضغوط من حساسية الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء تجاه تغيّر السياسات النقدية وحركة رأس المال.

قراءة السوق: التصحيح لا يعني نهاية قصة الذكاء الاصطناعي

على الرغم من حدة الهبوط في بعض الجلسات، لا يرى المتعاملون أن التراجع الحالي يبدد بالكامل جاذبية قطاع الذكاء الاصطناعي، لكنه يفرض على المستثمرين تقييماً أكثر صرامة للربحية والقدرة على تحويل الإنفاق الضخم إلى نتائج تشغيلية مستقرة. فالسوق، بعد موجة صعود قوية، باتت أكثر ميلاً إلى التمييز بين الشركات التي تمتلك طلباً فعلياً ومصادر إيرادات واضحة، وتلك التي تعتمد بشكل أكبر على توقعات النمو المستقبلية.

وفي المدى القريب، قد تظل الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عرضة للتذبذب مع صدور كل دفعة جديدة من البيانات المالية أو التوقعات الفصلية. أما في آسيا، فسيبقى أداء مؤشرات مثل «كوسبي» و«نيكي» مرتبطاً بدرجة كبيرة بمزاج المستثمرين العالميين تجاه الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية.

وبينما تواصل الشركات الكبرى في هذا القطاع ضخ الاستثمارات في الجيل الجديد من التطبيقات والأنظمة، تبدو الأسواق مطالبة الآن بإثبات أن الطفرة التكنولوجية ليست مجرد قصة نمو سريعة، بل دورة أعمال قابلة للاستمرار ضمن شروط أكثر واقعية وانضباطاً.