يرى الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، جنسن هوانغ، أن الروبوتات مرشحة لتكون المحرك الصناعي الأبرز التالي في كوريا الجنوبية، في ظل انتقال الشركة الأميركية من التركيز على رقائق الذكاء الاصطناعي إلى توسيع حضورها في مجالات الروبوتات ومصانع الذكاء الاصطناعي والأنظمة الفيزيائية الذكية.
وجاءت هذه الرسالة خلال زيارة هوانغ الثانية إلى كوريا الجنوبية خلال سبعة أشهر، في إشارة إلى الرهان المتزايد على السوق الكورية بوصفها منصة رئيسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي الصناعي، لا سيما في بيئة تجمع بين التصنيع المتقدم، وصناعة الإلكترونيات، والسيارات، وأشباه الموصلات.
وقال هوانغ للصحافيين بعد وصوله إلى مطار جيمبو الدولي قادماً من تايوان إن كوريا الجنوبية، باعتبارها مركزاً صناعياً عالمياً، تملك المقومات اللازمة لتبنّي تقنيات الروبوتات والذكاء الاصطناعي الفيزيائي التي تطورها إنفيديا. وأضاف أن قوة البلاد الصناعية تمنحها أفضلية واضحة في اختبار هذه التقنيات ونشرها على نطاق واسع.
كوريا الجنوبية في قلب التحول الصناعي
أوضح هوانغ أن كوريا ليست مجرد سوق تكنولوجية كبيرة، بل قاعدة صناعية متشابكة تضم شركات رائدة في مجالات الرقائق، والإلكترونيات، والسيارات، وبناء السفن. وهذا التنوع، بحسب رؤيته، يجعلها موقعاً مناسباً لدمج الروبوتات في خطوط الإنتاج وسلاسل التوريد والعمليات التصنيعية الأكثر تعقيداً.
وشدد على أن مستقبل تصنيع أشباه الموصلات نفسه سيتجه إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات، وهو ما يفتح الباب أمام شراكات أوسع مع شركات كورية تبحث عن رفع الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين الإنتاجية في بيئة صناعية شديدة المنافسة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتسابق فيه الشركات العالمية على تحويل الذكاء الاصطناعي من تطبيقات برمجية بحتة إلى أنظمة تتفاعل مع العالم المادي، سواء في المصانع أو المستودعات أو خطوط التجميع أو المختبرات. وفي هذا السياق، تكتسب كوريا الجنوبية أهمية خاصة بوصفها إحدى أكثر الدول استعداداً لهذا التحول.
اجتماعات مع عمالقة التكنولوجيا والصناعة
ومن المقرر أن يجتمع هوانغ مع قادة ومسؤولين في عدد من أبرز الشركات الكورية، من بينها هيونداي موتور، وإل جي، وإس كيه هاينكس، وسامسونغ إلكترونيكس، ونافير. وتعكس هذه اللقاءات اتساع الاهتمام من جانب إنفيديا ببناء روابط أقوى مع قطاعات تمتلك خبرة تصنيع عميقة واحتياجات متنامية إلى الحوسبة المتقدمة.
وقد ألمح هوانغ إلى أن زيارته تحمل ما وصفه بمفاجآت وفرص عمل جديدة لكوريا الجنوبية، في إشارة إلى مشاريع أو شراكات محتملة لم يفصح عنها بشكل كامل. كما قال مازحاً إنه لم يأتِ بهدايا، بل جاء “بأعمال” كثيرة للبلاد، في رسالة تلخص الرغبة في تحويل العلاقة من مجرد تعاون تقني إلى منظومة استثمارية أوسع.
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعكس تحوّل إنفيديا إلى لاعب محوري في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مع سعيها إلى بناء طبقات جديدة من الطلب تتجاوز مراكز البيانات إلى المصانع الذكية والروبوتات الصناعية والتطبيقات المعتمدة على الاستشعار والحوسبة الطرفية.
الرقائق والذاكرة تعززان موقع كوريا
تحظى كوريا الجنوبية بميزة تنافسية بارزة في الاقتصاد الرقمي العالمي بفضل ثقلها في أشباه الموصلات، ولا سيما رقائق الذاكرة من نوعي درام وHBM. ووفق تقديرات وردت في السوق، توفر سامسونغ إلكترونيكس وإس كيه هاينكس نحو 70 في المائة من ذاكرة رقائق الذكاء الاصطناعي المستخدمة عالمياً، وهو ما يضع البلد في موقع محوري داخل سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي.
هذه المكانة لا تعني فقط حضوراً قوياً في تصنيع المكونات، بل تعني أيضاً قدرة على التأثير في مسار الابتكار العالمي، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة تحتاج إلى ذاكرة عالية الأداء وحلول متقدمة للحوسبة والنقل السريع للبيانات. ولذلك تبدو كوريا الجنوبية مؤهلة للانتقال من دور المورّد الصناعي إلى دور الشريك في هندسة التطبيقات المستقبلية.
وبالنسبة إلى إنفيديا، فإن هذا الترابط بين الرقائق والروبوتات يمثل فرصة استراتيجية. فالشركة، التي حققت مكانة قيادية في وحدات معالجة الرسوم والذكاء الاصطناعي، تسعى إلى ترسيخ حضورها في القطاعات التي تحتاج إلى القوة الحاسوبية نفسها ولكن داخل بيئات تشغيل فعلية، مثل المصانع والمركبات والمنشآت اللوجستية.
مركز بحثي جديد وتوسّع في التوظيف
أشار هوانغ أيضاً إلى أن الشركة بدأت بالفعل توظيف كوادر لمركزها البحثي في كوريا الجنوبية، لافتاً إلى أن الإعلان الرسمي عن الموقع سيأتي بعد الوصول إلى حجم كافٍ من الموظفين. ويعني ذلك أن إنفيديا لا تتعامل مع السوق الكورية كسوق مبيعات فحسب، بل كقاعدة بحث وتطوير يمكن أن تسهم في إنتاج حلول موجهة إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي الفيزيائي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل المنافسة العالمية على استقطاب مراكز البحث المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تزايد الطلب على المهارات المرتبطة بالنماذج المتقدمة، والأنظمة المدمجة، والروبوتات الذكية، والرقائق المصممة خصيصاً للأداء الصناعي.
كما تعكس هذه التوجهات قناعة متنامية بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد منفصلاً عن الصناعة التقليدية، بل أصبح جزءاً من بنيتها الأساسية. فالمصنع الحديث يحتاج إلى بيانات دقيقة، وحوسبة سريعة، وآلات قادرة على التفاعل مع التغيرات في الوقت الفعلي، وهي عناصر تتداخل فيها البرمجيات والعتاد والتصنيع المتقدم.
الروبوتات بوصفها مرحلة جديدة في الاقتصاد الرقمي
تصريحات هوانغ تقدم قراءة أوسع للتحول الجاري في الاقتصاد الرقمي الآسيوي. فبعد سنوات من التركيز على السحابة والبرمجيات والرقائق، يبدو أن المرحلة المقبلة ستتمحور حول الأنظمة التي تترجم الذكاء الاصطناعي إلى حركة وإنتاج وقرارات تشغيلية داخل العالم المادي.
وفي هذا المشهد، قد تجد كوريا الجنوبية نفسها في موقع مثالي للاستفادة من تقاطع ثلاثة مسارات: قوة صناعية تقليدية، وخبرة متقدمة في الرقائق، وقدرة متزايدة على تبني الروبوتات والذكاء الاصطناعي داخل القطاعات ذات القيمة العالية. وإذا تبلورت الشراكات المرتقبة، فقد يتحول هذا التقاطع إلى نقطة انطلاق لسلسلة جديدة من الاستثمارات في التصنيع الذكي.
وبينما تتوسع إنفيديا في بناء منظومة أوسع حول الذكاء الاصطناعي، تبدو كوريا الجنوبية مرشحة لأن تكون إحدى أهم ساحات الاختبار لهذه الرؤية، ليس فقط في المختبرات، بل في المصانع وخطوط الإنتاج والروبوتات التي قد تعيد تشكيل الصناعة الآسيوية في السنوات المقبلة.