تفضيل آسيوي مدفوع بالأرباح والذكاء الاصطناعي
رفع بنك ستاندرد تشارترد نظرته إلى أسهم آسيا باستثناء اليابان إلى زيادة الوزن، في إشارة إلى رهان أكبر على الأسواق التي يرى أنها تستفيد من دورة أرباح أقوى ومن موجة الإنفاق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ووفق تقديرات البنك، فإن آسيا، باستثناء اليابان، مرشحة لتسجيل أقوى نمو في الأرباح بين الأسواق الكبرى خلال عامي 2026 و2027، مستفيدة من توسع استثمارات البنية التحتية الرقمية وطلب شركات التقنية على الرقائق المتقدمة.
وجاءت هذه الرؤية في وقت تواصل فيه الأسواق العالمية إعادة تسعير القطاعات الأكثر ارتباطاً بالتحول التكنولوجي، خصوصاً شركات أشباه الموصلات، وموردي المعدات، والاقتصادات التي تتمتع بسلسلة إمداد قوية في هذا المجال. وفي هذا السياق، اعتبر البنك أن كلّاً من تايوان والصين تبدوان في موقع أفضل من غيرهما للاستفادة من الزخم الحالي، مع منح الهند مرتبة تالية ضمن تفضيلاته الإقليمية.
تايوان والصين في صدارة الرهانات الإقليمية
اختار البنك تايوان والصين باعتبارهما السوقين الأكثر جاذبية داخل آسيا في المرحلة الحالية، مستنداً إلى عوامل مختلفة لكل منهما. ففي حالة تايوان، تبرز هيمنة صناعة الرقائق الإلكترونية وقدرتها على تلبية الطلب العالمي المتزايد على المعالجات المتقدمة ومكونات الذكاء الاصطناعي. أما الصين، فيرى البنك أن تقييمات أسهمها ما زالت أقل من مستويات مماثلة في أسواق أخرى، بينما تستمر الشركات المحلية في تقديم ابتكارات تُبقيها ضمن دائرة الاهتمام الاستثماري، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الخارجية.
أما الهند، فجاءت في المرتبة التالية، مدعومة بكونها سوقاً كبيرة تعتمد بدرجة أساسية على الطلب المحلي، ما يمنحها قدراً من المرونة في مواجهة التقلبات العالمية. وتوضح هذه التفضيلات أن البنك لا يقرأ المشهد الآسيوي باعتباره كتلة واحدة، بل يميّز بين الأسواق بحسب البنية القطاعية، ومستوى التقييمات، وموقع كل اقتصاد داخل سلسلة القيمة التكنولوجية.
توقعات إيجابية للأسواق والذهب وسندات الدولار
إلى جانب نظرته إلى آسيا، أبقى ستاندرد تشارترد على موقفه الداعم للأسهم العالمية عموماً، مع تفضيل واضح للأسواق الأميركية والآسيوية باستثناء اليابان. كما واصل البنك تفضيل سندات الدولار الأميركي ضمن الأسواق الناشئة، إلى جانب الذهب، في مزيج استثماري يعكس الجمع بين السعي إلى النمو من جهة، والتحوط من التقلبات من جهة أخرى.
وحدد البنك مستوى 7950 نقطة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بحلول منتصف عام 2027، كما توقع وصول سعر الذهب إلى 5100 دولار للأونصة في الفترة نفسها. وتعكس هذه الأرقام قناعة بأن الأسواق ما زالت قادرة على تحقيق مكاسب إضافية، رغم استمرار الضبابية بشأن التضخم والسياسات النقدية العالمية والتوترات الجيوسياسية.
تراجع المخاوف النفطية يخفف الضغط على آسيا
أحد الأسباب التي دعمت هذه النظرة هو اعتقاد البنك بأن حركة الشحن عبر مضيق هرمز قد تعود خلال أسابيع، وهو ما قد يخفف الضغوط على الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على واردات الطاقة. فاستقرار إمدادات النفط يظل عنصراً محورياً بالنسبة لأسواق كثيرة في المنطقة، لا سيما تلك التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها من الطاقة لتغذية الصناعة والنقل والقطاع الاستهلاكي.
ورغم أن أسواق الطاقة لا تزال عرضة للتقلبات، فإن أي مؤشرات على تحسن انسياب الشحنات من شأنها أن تدعم ثقة المستثمرين، وتحدّ من مخاوف ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل. ولهذا، يبدو أن البنك يربط بين استقرار الطاقة وبين قدرة أسواق آسيا على مواصلة جذب رؤوس الأموال، خصوصاً عندما يتزامن ذلك مع أرباح قوية في القطاعات التقنية.
الصين تسعى إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية
في المقابل، أظهرت بيانات رسمية صينية أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المقومة باليوان تراجعت بنسبة 8.6 في المائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، لتسجل 327.3 مليار يوان، أي ما يعادل نحو 48.31 مليار دولار. ويشير هذا التراجع إلى أن جذب رأس المال الأجنبي لا يزال يواجه تحديات، حتى في الوقت الذي تحاول فيه بكين تحسين مناخ الاستثمار.
وردت السلطات الصينية عبر خطة عمل مشتركة صادرة عن ثلاث جهات حكومية، تهدف إلى تعزيز التدفقات الأجنبية وتحسين بيئة التمويل. وتشمل الإجراءات دعم إدراج الشركات الأجنبية المؤهلة في البورصات المحلية، والسماح لبعض الصناديق الاستثمارية الأجنبية بالمشاركة في زيادات رؤوس أموال شركات مدرجة. كما تسعى الخطة إلى توسيع قنوات التمويل المتاحة أمام الشركات الأجنبية، مع الإبقاء على ضوابط تنظيمية مرتبطة بالامتثال وحماية الأمن القومي.
ويرى محللون أن هذا التراجع في التدفقات لا يعكس سبباً واحداً، بل مزيجاً من التباطؤ الاقتصادي الداخلي، والتوترات الجيوسياسية، وضعف الزخم العالمي. ومع ذلك، قد تمنح الإجراءات الجديدة إشارة دعم للمستثمرين إذا جرى تنفيذها بوضوح وبوتيرة مستقرة، خاصة في القطاعات التي تحتاج إلى شراكات وتمويل طويل الأجل.
السوق يراهن على الرقائق والابتكار أكثر من الدورة التقليدية
تظهر التوصية الجديدة أن قطاعات الذكاء الاصطناعي والرقائق أصبحت محوراً أساسياً في إعادة توزيع المحافظ الاستثمارية داخل آسيا. فالمستثمرون لم يعودوا ينظرون إلى الأسواق الناشئة من زاوية النمو الكلي فقط، بل باتوا يقيّمونها بحسب موقعها في سلاسل التوريد العالمية، وقدرتها على توفير مكونات حيوية للتكنولوجيا المتقدمة، واستفادتها من الطلب العالمي على الحوسبة والبيانات.
وفي هذا الإطار، تمتلك تايوان أفضلية هيكلية واضحة بفضل تمركز شركات أشباه الموصلات فيها، بينما تستفيد الصين من قاعدة صناعية واسعة وتكلفة تقييمات أقل نسبياً. أما الهند فتستفيد من الطلب الداخلي الضخم، ومن استمرار توسع الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري. هذا التمايز يجعل آسيا منطقة ذات فرص متعددة، لكنه يفرض في الوقت نفسه انتقاءً أكثر دقة بين أسواقها.
وبصورة عامة، تعكس رؤية ستاندرد تشارترد أن المستثمرين العالميين يبحثون عن مزيج من النمو والمرونة والتحوط، وأن الأسواق المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة باتت تحظى بأولوية أكبر من السابق. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في دفع إنفاق الشركات، يبدو أن أسهم الرقائق والاقتصادات الداعمة لها ستبقى في قلب الاهتمام خلال المرحلة المقبلة.