تتجه الصين إلى الاعتماد بصورة أكبر على مخزوناتها النفطية في مواجهة اضطرابات الإمدادات القادمة من منطقة الخليج، في خطوة تعكس حرص بكين على موازنة أمن الطاقة مع تجنب الاندفاع إلى شراء كميات إضافية من السوق العالمية. وتقدّر شركات متخصصة في تتبع أسواق الشحن والطاقة أن وتيرة السحب قد تقترب من مليون برميل يوميا خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن هذه الكمية تمثل نحو ثلث النقص الذي لم يعد يصل إلى السوق الصينية، لكنها تظل محدودة إذا ما قورنت بحجم المخزونات الإجمالي لدى البلاد، والذي يقدّر بنحو 1.2 مليار برميل بين الاحتياطي التجاري والاستراتيجي.
مخزونات ضخمة تمنح بكين هامش مناورة
الاعتماد على المخزون يمنح الصين قدرة مؤقتة على امتصاص الصدمات في الإمدادات، خصوصا في لحظات التوتر التي تؤثر في مسارات النفط البحرية. وقد استفادت بكين خلال العام الماضي من بناء مستويات قياسية من التخزين، ما أتاح لها التحرك الآن من دون الحاجة إلى تعويض كامل النقص عبر السوق الفورية.
هذا الخيار لا يخدم فقط إدارة الإمدادات، بل يساعد أيضا في منع تفاقم الأسعار عالميا. فبدلا من زيادة الطلب الصيني على الخام من الخارج، وهو ما كان سيدفع الأسعار صعودا، اختارت الصين استخدام ما لديها من احتياطيات، الأمر الذي خفف الضغط على الأسواق الدولية.
أثر محدود على أسعار النفط رغم حجم الأزمة
رغم أن التوترات المتعلقة بإمدادات الخليج تعد من أكبر الصدمات التي تواجه سوق النفط في الفترة الأخيرة، فإن انعكاسها على الأسعار ظل أقل حدة من المتوقع. فقد ارتفع خام برنت بنسبة تقل عن الثلث منذ بداية الأزمة، وهو مستوى يعكس أن الأسواق ما زالت تتعامل مع التطورات بحذر، مع وجود عوامل أخرى تحد من اندفاع الأسعار إلى مستويات أعلى.
أحد أهم هذه العوامل هو أن الصين لم تلجأ إلى تعويض النقص بشراء كميات إضافية من السوق العالمية. كما أن ضعف الطلب المحلي ساهم في إبقاء الاستهلاك تحت السيطرة، وهو ما خفف بدوره من حدة التوتر في سوق الخام.
تباطؤ الاستهلاك الصيني يضغط على الطلب
تشير بيانات القطاع إلى أن الصين بدأت في السحب من مخزوناتها في مايو، بعد أن كانت قد رفعتها إلى مستويات غير مسبوقة في العام الماضي. وتقدّر شركة إنرجي أسبكتس، استنادا إلى بيانات الأقمار الصناعية، أن بكين استهلكت نحو 25 مليون برميل خلال فترة قصيرة.
لكن جزءا كبيرا من تراجع الطلب لم يكن مرتبطا فقط بالسحب من المخزونات، بل أيضا بعوامل هيكلية داخل الاقتصاد الصيني. فقد خفضت المصافي الحكومية معدلات التشغيل، كما فُرضت قيود على صادرات الوقود، في وقت يتسارع فيه التحول نحو السيارات الكهربائية، ما أدى إلى خفض الاستهلاك بنحو مليون برميل يوميا.
هذه التطورات تعكس تحولا أوسع في بنية الطلب على الطاقة داخل الصين، حيث تتراجع الحاجة إلى بعض منتجات الوقود التقليدية نتيجة التغيرات الصناعية والسياسات المرتبطة بالنقل والطاقة النظيفة.
القرار مؤقت ويرتبط بتطورات السوق والسياسة
يرى محللون أن سياسة السحب من المخزونات قد لا تستمر بالوتيرة نفسها إذا طال أمد الاضطراب. فحين تتسع الفجوة بين الطلب والإمداد، قد تعود الصين إلى الشراء من السوق العالمية لتعويض ما استهلكته من احتياطياتها، خصوصا إذا تحسنت ظروف التسعير أو بدت الأزمة أكثر استقرارا.
ومع ذلك، فإن القرار النهائي سيبقى مرتبطا بعاملين رئيسيين: تطورات الوضع في مضيق هرمز، حيث تمر حصة كبيرة من صادرات النفط العالمية، والسياسات الحكومية الصينية المتعلقة بإدارة أمن الطاقة وموازنة المخاطر الاقتصادية.
وبهذا المعنى، لا تبدو المخزونات مجرد أداة تقنية لتغطية النقص، بل جزءا من استراتيجية أوسع تستخدمها بكين لتقليل هشاشتها أمام اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وفي سوق تتأثر فيه الأسعار سريعا بأي إشارة إلى تعطل الشحن أو تراجع التدفقات، يمنح هذا النهج الصين مساحة زمنية أوسع لاتخاذ القرار المناسب دون تكاليف فورية مرتفعة.
كما أن استمرار ضعف الطلب المحلي قد يمنح الأسواق العالمية فترة من الهدوء النسبي، حتى مع بقاء المخاطر الجيوسياسية قائمة. لكن إذا تغيرت وتيرة السحب من المخزونات أو اتجهت المصافي إلى رفع التشغيل، فقد يعود الضغط على الأسعار والنقل البحري إلى الواجهة من جديد.