دعوى بلجيكية لوقف تنفيذ حكم روسي
دخلت مؤسسة «يوروكلير» الأوروبية، إحدى أكبر جهات حفظ وتسوية الأصول في القارة، في مواجهة قضائية مباشرة مع البنك المركزي الروسي بعد أن رفعت دعوى أمام محكمة مدنية في بلجيكا. وتهدف الدعوى إلى منع تنفيذ حكم قضائي صدر في روسيا ويلزم المؤسسة بدفع تعويضات تُقدَّر بنحو 220 مليار يورو، أي ما يعادل 250 مليار دولار تقريباً.
ويأتي هذا التحرك في سياق نزاع أوسع يرتبط بتجميد الأصول الروسية في أوروبا منذ بدء العقوبات الغربية على موسكو. وتؤكد يوروكلير أنها تصرفت وفق الإطار القانوني الصادر عن الاتحاد الأوروبي، وأنها لا ترى أساساً قانونياً يسمح للمحاكم الروسية بفرض التزامات عليها داخل أوروبا.
يوروكلير تتمسك بالاختصاص القضائي البلجيكي
قالت المؤسسة إن محكمة بلجيكا هي الجهة الوحيدة صاحبة الولاية القانونية على هذا النزاع، مستندةً إلى كون مقرها في بروكسل وإلى الطبيعة الأوروبية لعملها. كما شدد متحدث باسمها على أن المحاكم الروسية لا تملك، من وجهة نظرها، أي اختصاص على المؤسسة بشأن أنشطتها داخل الاتحاد الأوروبي.
هذا الموقف يعكس محاولة واضحة لحصر القضية داخل المنظومة القضائية الأوروبية، حيث تحظى المؤسسات المالية التي تلتزم بالعقوبات الرسمية بحماية قانونية واسعة. وفي المقابل، تحاول موسكو نقل المعركة إلى ساحات قانونية أخرى عبر حكمها الأخير وأمر التنفيذ الفوري الصادر بعده.
حكم موسكو يفاقم التوتر حول الأصول المجمدة
كانت محكمة تحكيم في موسكو قد أصدرت في الشهر الماضي حكماً لصالح مطالبات روسية ضد يوروكلير، قبل أن يصدر لاحقاً أمر بتنفيذه فوراً. وجاء الحكم رداً على تجميد أصول روسية في الخارج منذ عام 2022، في خطوة ربطتها السلطات الروسية بتداعيات العقوبات الغربية.
ويُنظر إلى القرار الروسي على أنه يحمل طابعاً سياسياً ورمزياً أكثر من كونه قابلاً للتطبيق عملياً داخل الاتحاد الأوروبي. فالقواعد الأوروبية تمنع، إلى حد كبير، تنفيذ مثل هذا النوع من الأحكام إذا تعارضت مع منظومة العقوبات المعتمدة رسمياً.
المخاطر تنتقل إلى خارج أوروبا
على الرغم من ذلك، لا يقتصر القلق القانوني على داخل أوروبا. فالمراقبون يرون أن التحدي الحقيقي قد يظهر إذا سعت السلطات الروسية إلى ملاحقة أصول تابعة ليوروكلير خارج الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في دول تصنفها موسكو بأنها صديقة أو أكثر تعاوناً معها.
وقد ألمح الجانب الروسي في وقت سابق إلى احتمال استهداف أصول المقاصة الأوروبية الموجودة خارج القارة، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة عابرة للحدود قد تمتد إلى أسواق مالية مختلفة وتزيد حالة عدم اليقين حول ملكية الأصول المجمدة وآليات التعامل معها.
نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية مجمدة عالمياً
تقدَّر قيمة الأصول الروسية المجمدة في الخارج بنحو 300 مليار دولار، ويقع نحو ثلثي هذا المبلغ تقريباً في أوروبا. ويُحتفظ بجزء كبير من هذه الأصول عبر حسابات يوروكلير، ما يجعل المؤسسة في قلب المعركة القانونية والمالية المرتبطة بالعقوبات المفروضة على موسكو.
هذا الحجم الضخم من الأموال المجمدة يحوّل القضية من نزاع قانوني تقني إلى ملف مالي دولي شديد الحساسية، إذ ترتبط به أسئلة حول حقوق الملكية، وحدود العقوبات، وإمكانية استخدام العوائد المتولدة عن هذه الأصول في تمويل دعم أوكرانيا أو تمويل التزامات قانونية مضادة.
خلفية النزاع تمتد إلى نقاشات سياسية ومالية أوسع
بدأ المسار القضائي في روسيا أواخر العام الماضي، في وقت كان القادة الأوروبيون يناقشون خيارات تتعلق باستخدام عوائد الأصول الروسية المجمدة لدعم الجهود المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. ومنذ ذلك الحين، أصبح الملف جزءاً من صراع أكبر بين العواصم الغربية وموسكو، يجمع بين القانون والعقوبات والتمويل الدولي.
ويعتقد خبراء قانونيون أن هذه القضية قد تخلق سابقة مهمة للمؤسسات المالية التي تعمل في بيئة دولية خاضعة لعقوبات متبادلة أو متداخلة. فكلما اتسعت دائرة الإجراءات المضادة، ازدادت الحاجة إلى توضيح الحدود القانونية بين الالتزام بالعقوبات من جهة، واحتمالات التعرض لمطالبات تعويضية من جهة أخرى.
انعكاسات على القطاع المالي والبنية القانونية للعقوبات
بالنسبة لقطاع المقاصة والحفظ المالي، تحمل القضية رسالة واضحة مفادها أن المؤسسات التي تدير أصولاً عبر الحدود قد تجد نفسها في صلب نزاعات سيادية معقدة لا تقتصر على الحسابات المحاسبية، بل تشمل الاعتراف بالأحكام القضائية وحدود تنفيذها بين أنظمة قانونية مختلفة.
كما تعيد القضية طرح سؤال جوهري حول قدرة العقوبات الأوروبية على الصمود أمام الردود القانونية الروسية، خاصة إذا ترافق ذلك مع محاولات لاستخدام أصول أو كيانات مالية مرتبطة بأوروبا في دول خارج نطاق الاتحاد. وفي هذا السياق، تبدو معركة يوروكلير مع البنك المركزي الروسي أبعد من كونها نزاعاً ثنائياً، إذ تمثل اختباراً عملياً لصلابة النظام المالي والقانوني الذي يدير واحدة من أكبر قضايا الأصول المجمدة في العالم.