العملة الضعيفة تعيد أزمة الدواء إلى الواجهة
تضغط تقلبات سعر الصرف في السودان بقوة على قطاع الدواء، بعدما دفع الهبوط الأخير في قيمة الجنيه السوداني أسعار بعض الأدوية إلى الارتفاع بنسب قاربت 30 في المائة خلال فترة وجيزة. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه السكان، ولا سيما العائدون إلى الخرطوم، صعوبات متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط مستوى فقر مرتفع يحدّ من القدرة الشرائية ويجعل العلاج عبئاً إضافياً على الأسر.
وتتزايد المخاوف في الأوساط الطبية والتجارية من أن يمتد أثر تراجع العملة إلى جانب آخر أكثر حساسية، هو توافر الدواء نفسه. فبعض المستوردين بدأوا يتعاملون بحذر أكبر مع المخزون، بينما لجأت شركات إلى تعليق البيع مؤقتاً في انتظار استقرار السوق، في محاولة لتفادي خسائر إضافية ناجمة عن تبدل الأسعار بصورة سريعة.
أسر تعيد ترتيب أولوياتها تحت ضغط العلاج
على المستوى الإنساني، تكشف قصة كثير من الأسر حجم الأزمة. فمع ارتفاع أسعار الدواء، باتت بعض العائلات مضطرة إلى الاختيار بين شراء العلاج وسداد احتياجات المعيشة الأخرى. وفي حالات عديدة، لم يعد الدواء يُشترى كاملاً، بل تُقتطع بعض الأصناف من الوصفة الطبية بسبب ضيق ذات اليد.
وتشير شهادات من داخل الخرطوم إلى أن المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة هم الأكثر تضرراً. فاحتياجاتهم لا تحتمل التأجيل، لكنهم يواجهون اليوم أسعاراً أعلى بكثير من قدرتهم على الدفع، خصوصاً مع تكاليف النقل والمعيشة وندرة الموارد النقدية لدى شريحة واسعة من السكان. كما يخشى صيدليون من أن يدفع هذا الضغط بعض المرضى إلى اللجوء إلى بدائل غير طبية قد تزيد المخاطر الصحية، خاصة في أمراض مثل السكري والضغط والكلى.
التقلبات في الصرف تنتقل سريعاً إلى الصيدليات
يرى عاملون في قطاع الدواء أن السوق السوداني بات يتأثر بسرعة كبيرة بأي حركة في سعر الدولار، لأن معظم الأدوية المهمة مستوردة أو ترتبط مكوناتها بسلاسل إمداد خارجية. ومع كل زيادة في تكلفة الاستيراد، تنتقل الزيادة تلقائياً إلى الجملة ثم إلى الصيدليات، حيث يجد المستهلك نفسه أمام تسعيرة جديدة خلال أيام قليلة.
وتسببت هذه الدورة السريعة في اضطراب واضح داخل السوق. فبعض الصيدليات رصدت زيادات متكررة في أسعار الفيتامينات وبعض أدوية الصحة النفسية والعقم، إلى جانب ارتفاعات أقل حدة في علاجات الأمراض المزمنة. وفي المقابل، يشتكي المستهلكون من أن الأسعار تتغير دون إنذار كافٍ، بينما يؤكد أصحاب الصيدليات أن هوامشهم محدودة وأنهم هم أيضاً يتعرضون لضغط مباشر من الموردين وشروط السداد الجديدة.
المستوردون بين تمويل صعب ومخزون مهدد
يعد التمويل الحلقة الأكثر حساسية في هذه الأزمة. فمع تراجع العملة، ارتفعت كلفة شراء الدولار اللازم للاستيراد، وأصبح الحصول على النقد الأجنبي أكثر صعوبة وكلفة. ويقول عاملون في الاستيراد إن هذا الوضع يدفع بعض الشركات إلى تأجيل البيع أو التشدد في شروط التسليم، حفاظاً على مخزونها من التآكل أمام موجة أسعار غير مستقرة.
كما أن بعض الموردين ألغوا العمل بنظام الدفع الآجل الذي كان يتيح للصيدليات مهلة تمتد لأسابيع، واستبدلوه بالسداد النقدي الفوري. هذا التغيير يضغط على الصيدليات الصغيرة والمتوسطة، ويقلل قدرتها على الاحتفاظ بتشكيلة واسعة من الأدوية. وفي حال استمر الوضع على هذا النحو، قد تظهر اختناقات في أصناف محددة، لا سيما تلك التي تشهد طلباً يومياً مرتفعاً أو تحتاج إلى استيراد دوري منتظم.
دعوات لإعادة تشغيل آلية تمويل الدواء
في ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى دور الدولة في تخفيف أثر صدمة الصرف على سوق الدواء. ومن بين المقترحات المطروحة إعادة تفعيل آلية تمويل مخصصة للسلع الاستراتيجية، بحيث يتم توفير النقد الأجنبي للمستوردين بعيداً عن السوق الموازية. ويرى مؤيدو هذا الخيار أنه قد يساعد على تثبيت الأسعار نسبياً وتقليل الاضطراب في الإمدادات.
كما يُطرح ربط تمويل الدواء بعوائد الصادرات، ولا سيما الذهب، باعتباره أحد المصادر القادرة على رفد السوق بالنقد الأجنبي. ويعتقد خبراء أن مثل هذا المسار، إذا نُفذ بقدر من الانضباط والشفافية، قد يخفف الضغط على المستوردين ويمنحهم قدرة أكبر على التخطيط والشراء، بدلاً من تركهم رهائن لتقلبات يومية حادة في سعر الصرف.
هل تتجه السوق إلى نقص حقيقي في بعض الأصناف؟
رغم التحذيرات، لا يرى مسؤولو قطاع الدواء أن الندرة الشاملة باتت واقعاً مؤكداً حتى الآن. لكنهم يعترفون بأن السوق يمر بمرحلة حساسة، وأن استمرار هبوط الجنيه قد يحول التوتر السعري إلى شح فعلي في بعض الأصناف. ويؤكدون أن أي تعديل في الأسعار يخضع عادة لإجراءات مراجعة رسمية، وأن الموافقات لا تُمنح بصورة فورية إلا بعد التحقق من استقرار نسبي في تكلفة الاستيراد.
وفي المقابل، تبقى المشكلة الأساسية أن الاستقرار النسبي نفسه غائب. فالمستورد يحتاج إلى وضوح في سعر الصرف، والصيدلي يحتاج إلى شروط دفع قابلة للتنفيذ، والمريض يحتاج إلى دواء بسعر يمكن تحمله. وعندما تختل هذه المعادلة في الوقت نفسه، يصبح الخطر الأكبر هو انتقال الأزمة من خانة الغلاء إلى خانة النقص.
الإنتاج المحلي يظل جزءاً من الحل
ضمن الصورة الأوسع، يبرز الإنتاج المحلي كعنصر مهم لتخفيف الاعتماد على الاستيراد. فعودة عدد من المصانع السودانية إلى العمل تمثل فرصة لتحسين الإمداد على المدى المتوسط، خصوصاً إذا نجحت هذه المصانع في استعادة قدراتها الإنتاجية وتجاوز آثار الدمار الذي لحق ببنيتها التحتية خلال الحرب. لكن هذا المسار يحتاج إلى وقت وتمويل ومدخلات إنتاج مستقرة، وهو ما يعني أنه لن يكون بديلاً فورياً عن العلاج الطارئ للأزمة الحالية.
وعليه، تبدو أزمة الدواء في السودان نتاجاً مباشراً لتداخل ثلاثة عوامل: انهيار العملة، وارتفاع كلفة الاستيراد، وضعف القدرة الشرائية لدى السكان. وبين هذه العناصر، يقف المرضى في المنتصف، فيما يحاول السوق التكيف مع واقع اقتصادي لا يمنح الكثير من الهوامش. وإذا لم تُعالج أزمة الصرف سريعاً، فقد تنتقل الضغوط من ارتفاع الأسعار إلى نقص التوافر، وهو السيناريو الذي تخشاه الصيدليات والمستوردون والمرضى على حد سواء.