قطاع ناشئ ينتقل إلى قلب الاقتصاد
تتجه السعودية إلى إعادة تعريف إدارة النفايات باعتبارها قطاعاً اقتصادياً إنتاجياً، لا مجرد خدمة بلدية أو إجراء بيئي. ووفق تقديرات الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير «سرك»، فإن هذا النشاط يمكن أن يضيف أكثر من 120 مليار ريال، أي ما يعادل 32 مليار دولار، إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040.
هذا التحول يعكس تغيراً أوسع في طريقة التعامل مع المخلفات داخل المملكة. فبدلاً من النظر إليها باعتبارها عبئاً يتطلب التخلص منه، يجري التعامل معها بوصفها مورداً يمكن أن يدخل في سلاسل تصنيع جديدة، ويولد فرصاً استثمارية ووظائف ذات قيمة مضافة، ويعزز في الوقت نفسه أهداف الاستدامة الوطنية.
وتأتي هذه الرؤية في سياق أوسع يرتبط بمستهدفات تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، عبر بناء صناعات جديدة قائمة على إعادة الاستخدام والتدوير وتدوير الموارد داخل الدورة الاقتصادية نفسها.
أهداف اقتصادية وبيئية متزامنة
تشير تقديرات «سرك» إلى أن القطاع يستهدف أيضاً توفير أكثر من 77 ألف فرصة عمل نوعية بحلول 2040، إلى جانب خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 73 مليون طن سنوياً. وهذه الأرقام تعكس الطبيعة المزدوجة للمشروع: أثر اقتصادي مباشر من جهة، وأثر بيئي واسع من جهة أخرى.
فالاقتصاد الدائري لا يكتفي بتقليل المخلفات، بل يعيد توزيع القيمة عبر مراحل متعددة تبدأ من الجمع والفرز، ثم المعالجة، وصولاً إلى إعادة إدخال المواد المسترجعة في الصناعة. وبهذا المعنى، تصبح النفايات مصدراً للمواد الخام البديلة، وللطاقة، وللمنتجات الثانوية التي يمكن أن تدعم قطاعات مختلفة في السوق المحلية.
كما أن خفض الانبعاثات المرتبط بتحويل كميات أكبر من النفايات بعيداً عن المرادم ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو تقليل البصمة الكربونية وتحسين كفاءة الموارد. وهو ما يمنح هذا القطاع أهمية تتجاوز حدود الخدمات العامة لتصل إلى صميم السياسات الاقتصادية والصناعية.
«سرك» كمحرك لبناء المنظومة
تأسست «سرك» عام 2017 وتملكها بالكامل شركة صندوق الاستثمارات العامة، وهي تمثل الذراع الأساسية لتطوير قطاع إدارة النفايات في المملكة. وتعمل الشركة بوصفها منصة لتمكين القطاع الخاص، وبناء البنية التحتية اللازمة، وتنسيق الجهود مع الجهات الحكومية لتسريع التحول نحو نموذج أكثر استدامة.
ويعتمد الدور الذي تؤديه «سرك» على تحويل الأفكار العامة إلى مشاريع قابلة للتنفيذ تجارياً. ويشمل ذلك توفير الشراكات، وتوضيح الفرص، وجمع البيانات، وتسهيل بناء سوق منظمة للمواد المعاد تدويرها، بحيث لا يبقى النشاط محدوداً في إطار المبادرات التجريبية أو المشاريع المتفرقة.
هذا الدور التنظيمي والاستثماري مهم في سوق لا تزال في مرحلة التأسيس، لأن نجاح قطاع إعادة التدوير لا يرتبط فقط بوجود منشآت المعالجة، بل بقدرة المنظومة بأكملها على ضمان تدفق مستقر للمواد الخام الثانوية، ووجود طلب صناعي واضح عليها، وبيئة تشريعية تسمح بالنمو والاستثمار طويل الأجل.
من نشاط خدمي إلى صناعة قائمة بذاتها
أحد أبرز ملامح التحول الحالي هو الانتقال من التعامل مع النفايات كخدمة تشغيلية إلى النظر إليها كقطاع صناعي مستقل. فبدلاً من الاقتصار على النقل والدفن والمعالجة، يجري بناء سلسلة قيمة أوسع تشمل الفرز، والمعالجة، وإعادة التصنيع، والتسويق، والتوزيع، والخدمات اللوجستية، إلى جانب الحلول الرقمية المرتبطة بإدارة البيانات وتتبع المواد.
ويقول هذا التحول إن الفرص المستقبلية لا تقتصر على مصانع إعادة التدوير التقليدية، بل تمتد إلى قطاعات فرعية متعددة، مثل النفايات البلدية، ومخلفات البناء والهدم، والبلاستيك، والمعادن، والنفايات الإلكترونية، والنفايات الصناعية. وكل مسار من هذه المسارات يحمل نموذجاً اقتصادياً خاصاً، ويمكن أن يفتح باباً أمام شركات متخصصة ومستثمرين جدد.
وتبرز أهمية هذا التوسع في أن السوق السعودية ما زالت في طور البناء، ما يعني أن الوقت الحالي قد يكون الأنسب لتشكيل قواعدها التنظيمية والتجارية قبل أن تتحول إلى سوق أكثر نضجاً وتنافسية.
تقليص الغموض الاستثماري وجذب رأس المال
من التحديات المعتادة في القطاعات الجديدة أن المستثمر يواجه درجة عالية من عدم اليقين بشأن حجم السوق، وتكلفة التشغيل، واستقرار الإمدادات، وقابلية المواد المعاد تدويرها للتسويق. وهنا تبرز وظيفة «سرك» في تقليص هذا الغموض عبر تقديم بيانات أوضح، وبناء نماذج أعمال عملية، وخلق مسارات استثمارية يمكن قياسها.
وجود سوق واضحة للمواد المعاد تدويرها يعد شرطاً أساسياً لنجاح القطاع. فالمشكلة لا تنتهي عند جمع النفايات، بل تبدأ فعلياً عند محاولة تحويلها إلى مدخلات قابلة للاستخدام الصناعي ضمن أسعار وجودة وكميات مقبولة. لذلك فإن بناء الثقة بين الموردين والمصانع والمستثمرين يمثل عنصراً حاسماً في استدامة النمو.
كما أن فتح المجال أمام رؤوس الأموال المحلية والدولية يتطلب بنية تنظيمية مستقرة، وعقوداً واضحة، ومعايير جودة موحدة، إلى جانب توفير البيانات التي تساعد في التنبؤ بالعوائد والمخاطر. وكلما تقلصت الضبابية، ارتفعت فرص تحويل هذا القطاع إلى نشاط قابل للتوسع على نطاق واسع.
أثر على سلاسل الإمداد المحلية
إعادة تدوير المواد داخل المملكة لا تعني فقط تقليل النفايات، بل تعني أيضاً إبقاء القيمة داخل الاقتصاد المحلي لفترة أطول. فعندما تعود المواد المستردة إلى المصانع السعودية، يقل الاعتماد على استيراد بعض المدخلات الخام، وتزداد مرونة سلاسل الإمداد في مواجهة تقلبات الأسعار العالمية.
هذا البعد مهم خصوصاً في القطاعات الصناعية التي تتأثر بسرعة بتغيرات الأسواق الدولية. إذ يتيح الاعتماد على مواد محلية معاد تدويرها مستوى أعلى من الاستقرار، ويمنح المصانع القدرة على التخطيط بصورة أفضل، مع تقليل التكاليف المرتبطة بالشحن والاستيراد والتقلبات الخارجية.
وفي الوقت نفسه، يسهم هذا التوجه في تحسين الكفاءة البيئية. فكل طن يعاد تدويره أو يسترد من الدورة التقليدية يعني ضغطاً أقل على المرادم، واستهلاكاً أقل للموارد الطبيعية، وانبعاثات أقل من عمليات الإنتاج الأولية.
بيانات تعكس حجم التحدي والفرصة
تظهر الأرقام الرسمية اتساع قاعدة النفايات في المملكة خلال الفترة الأخيرة، ما يوضح حجم التحدي وحجم الفرصة في الوقت نفسه. فقد ارتفعت الكمية المسجلة من النفايات إلى 135.1 مليون طن في عام 2024، مقارنة بـ111.4 مليون طن في 2023.
وتوزعت الكميات الأكبر على أنشطة الزراعة والحراجة وصيد الأسماك، ثم التشييد، ثم الأسر المعيشية، تليها النفايات الصناعية التي استحوذت الصناعات التحويلية على النسبة الأكبر منها. كما شكلت النفايات العضوية النسبة الأعلى من حيث النوع، تلتها مخلفات البناء ثم البلاستيك.
هذه الأرقام توضح أن السوق ليست نظرية أو محدودة النطاق، بل قائمة بالفعل على قاعدة كبيرة من المخلفات المتنوعة، ما يجعل تطوير البنية التحتية للتدوير والفرز والمعالجة خطوة اقتصادية ذات جدوى ملموسة.
اقتصاد دائري بفرص طويلة الأجل
الرسالة الأساسية من التوجه الحالي هي أن إدارة النفايات لم تعد ملفاً خدمياً ثانوياً، بل أصبحت جزءاً من استراتيجية اقتصاد طويل الأجل. فالمملكة تعمل على بناء منظومة قادرة على تحويل المخلفات إلى مواد أولية وطاقة وفرص صناعية جديدة، بما يدعم التنويع الاقتصادي ويعزز تنافسية السوق المحلية.
ومع توسع الاستثمار في هذا المجال، قد يتحول قطاع إدارة النفايات إلى أحد القطاعات الداعمة للنمو غير النفطي، ورافعة جديدة للمحتوى المحلي، ومجال تتقاطع فيه الاستدامة مع العائد التجاري. وفي حال تحقق المستهدفات المعلنة، فإن الأثر لن يقتصر على تحسين إدارة المخلفات، بل سيمتد إلى إعادة تشكيل جزء من البنية الاقتصادية والصناعية في السعودية.