18-Jul-2026 5 دقائق قراءة

ميرتس يفتح الباب أمام استحواذ شركات صينية على مصانع السيارات الألمانية المتعثرة

أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس استعداداً لترك قرار سيطرة الشركات الصينية على مصانع السيارات الألمانية المتعثرة لكل شركة على حدة، في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطاً من ضعف الطلب وارتفاع التكاليف والمنافسة العالمية.

أثار تصريح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بشأن إمكان سيطرة شركات صينية على مصانع السيارات الألمانية المتعثرة نقاشاً جديداً حول مستقبل أحد أهم القطاعات الصناعية في أوروبا، في وقت تتزايد فيه الضغوط على شركات السيارات الألمانية بسبب تراجع المبيعات وارتفاع التكاليف وتبدل خريطة المنافسة العالمية.

ميرتس لم يبدِ اعتراضاً مبدئياً على دخول شركات صينية إلى مصانع تواجه صعوبات تشغيلية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذا المسار لا يمكن أن يُنظر إليه بوصفه حلاً دائماً للمشكلات البنيوية التي يعانيها القطاع. وبهذا، وضع المستشار الألماني حدوداً واضحة بين المعالجة المؤقتة للأزمات وبين الإصلاح العميق المطلوب داخل الصناعة نفسها.

قطاع تحت ضغط مزدوج

تعيش صناعة السيارات في ألمانيا مرحلة صعبة، إذ تتداخل فيها عوامل عدة تشمل ضعف الطلب في أوروبا، والرسوم الجمركية الأميركية، وتقدم الشركات الصينية في مجال السيارات الكهربائية. وهذه الضغوط انعكست على التوظيف وعلى خطط الإنتاج، كما دفعت بعض الشركات إلى مراجعة استراتيجياتها الصناعية والعمالية.

وتُعد هذه الصناعة من الركائز الأساسية للاقتصاد الألماني، ليس فقط من حيث المساهمة في الناتج المحلي، بل أيضاً من حيث سلاسل التوريد الواسعة التي ترتبط بها، من الموردين إلى الخدمات اللوجستية والهندسية. لذلك، فإن أي اضطراب فيها يترك أثراً يتجاوز حدود المصانع إلى مجمل البيئة الصناعية في البلاد.

وتواجه الشركات الكبرى صعوبات في التكيّف مع موجة التحول نحو المركبات الكهربائية، في وقت ترتفع فيه كلفة الطاقة والعمالة والامتثال التنظيمي. كما يرى منتقدون أن جانباً من الأزمة يرتبط ببطء إعادة الهيكلة مقارنة بسرعة التحولات في الأسواق العالمية.

وظائف مهددة وإعادة هيكلة مؤلمة

من أبرز مؤشرات الأزمة ما أعلنته مجموعة فولكسفاغن بشأن خططها لخفض الوظائف. فالشركة ألغت بالفعل عشرات الآلاف من الوظائف، فيما تحدث رئيسها التنفيذي أوليفر بلوم عن احتمال تقليص ما يصل إلى 50 ألف وظيفة إضافية. وإذا تحقق ذلك، فقد يرتفع إجمالي الوظائف الملغاة حول العالم إلى نحو 100 ألف وظيفة.

هذه الأرقام تعكس حجم التحول الذي يمر به أكبر صانع سيارات في أوروبا، وتؤكد أن الضغوط الحالية لم تعد مجرد تراجع دوري في الطلب، بل أزمة تتعلق ببنية التشغيل والقدرة على المنافسة. كما أن احتمال إغلاق بعض المصانع يضع المجتمعات المحلية والولايات الصناعية أمام تحديات اقتصادية واجتماعية أوسع.

وفي هذا السياق، تصبح فكرة دخول مستثمرين جدد إلى بعض الأصول الصناعية خياراً مطروحاً، خصوصاً عندما تكون المصانع تعمل بأقل من طاقتها أو تواجه خطر الإغلاق. غير أن هذا الخيار يظل، بحسب ميرتس، مجرد تدبير استثنائي لا يغني عن الإصلاحات الهيكلية.

الصين تبحث عن موطئ قدم في أوروبا

في المقابل، تتوسع الشركات الصينية في صناعة السيارات الكهربائية وتبحث عن قواعد إنتاج داخل أوروبا لتقليل تكاليف النقل والتعامل مع القيود التجارية المحتملة. وتستفيد هذه الشركات من قدرتها على النمو السريع ومن رغبتها في الوصول المباشر إلى الأسواق الأوروبية عبر التصنيع المحلي.

وتتناسب المصانع الألمانية المتعثرة مع هذا التوجه، إذ يمكن أن توفر خطوط إنتاج جاهزة وبنية تحتية متقدمة وعمالة ذات خبرة. لذلك، يرى بعض المراقبين أن الاستحواذ على أصول صناعية في ألمانيا قد يمنح الشركات الصينية فرصة لتسريع انتشارها القاري.

ميرتس قال إن القرار في النهاية يعود إلى كل شركة على حدة، في إشارة إلى أن الحكومة الألمانية لا تنوي فرض حل موحد على جميع الحالات. لكن موقفه يكشف أيضاً عن براغماتية سياسية وصناعية، في ظل واقع يصعب فيه تجاهل الدور الذي يمكن أن تلعبه رؤوس الأموال الأجنبية في إنقاذ بعض المواقع الإنتاجية.

شراكات بدلاً من المواجهة المباشرة

الاهتمام الصيني بالمصانع الأوروبية لا يقتصر على ألمانيا، إذ تتجه شركات تصنيع أخرى في القارة إلى بناء شراكات مع لاعبين صينيين. وقد أعلنت ستيلانتس، المالكة لعلامتي جيب وفيات، عن مشروع مشترك مع دونغفنغ الصينية لتقاسم عمليات التصنيع والمبيعات والهندسة في أوروبا.

هذا النموذج يعكس مساراً أوسع داخل القطاع، حيث تسعى الشركات الأوروبية إلى الاستفادة من الخبرة الصينية في السيارات الكهربائية، في مقابل حصول الشركات الصينية على موطئ قدم داخل سوق متقدمة وذات قيمة عالية. ومع ذلك، فإن هذه الشراكات تثير أسئلة حول حماية الوظائف، والسيادة الصناعية، ومستقبل الابتكار المحلي.

وفي ألمانيا تحديداً، تبدو النقاشات أكثر حساسية بسبب المكانة الرمزية لقطاع السيارات في الاقتصاد الوطني. فانتقال بعض الأصول إلى شركات أجنبية لا يُقرأ فقط كقرار تجاري، بل كإشارة إلى التحول في موازين القوة الصناعية العالمية.

اليوان والعجز التجاري يضيفان طبقة جديدة من التوتر

إلى جانب ملف المصانع، انتقد ميرتس السياسة النقدية الصينية، معتبراً أن إبقاء اليوان عند مستوى منخفض يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية غير عادلة. وبرأيه، فإن الفارق في سعر العملة يخلق اختلالاً كبيراً في المنافسة مع المنتجات الأوروبية.

كما أشار إلى أن استمرار هذا الوضع ينعكس سلباً على أوروبا من خلال الواردات المرتفعة جداً والسلع المدعومة، وهو ما يضع مزيداً من الضغط على الصناعات المحلية. وتأتي هذه التصريحات في وقت يتسع فيه العجز التجاري بين ألمانيا والصين، مع تراجع الصادرات الألمانية وارتفاع الواردات الصينية بوتيرة ثابتة.

وقد تأثرت قطاعات متعددة بهذه الفجوة، من بينها الآليات والكيماويات والسيارات. وهذا يعني أن القضية لا تتعلق فقط بمصانع بعينها، بل بعلاقة اقتصادية أوسع بين القوتين الصناعيتين، حيث تتقاطع التجارة مع السياسة الصناعية وسوق العمل وسلاسل التوريد.

حل مؤقت أم بداية لتحول أكبر؟

الجدل الدائر اليوم يعكس سؤالاً أساسياً في الاقتصاد الألماني: هل يكفي البحث عن مشترين أو شركاء أجانب لإنقاذ بعض المصانع، أم أن المطلوب هو إعادة بناء نموذج الصناعة نفسه؟

ميرتس يبدو حذراً من تحويل الاستحواذات الأجنبية إلى وصفة دائمة، لأنه يدرك أن المشكلة الأساسية تكمن في التكاليف المرتفعة، وتباطؤ الابتكار، والبيروقراطية، والحاجة إلى قرارات أكثر جرأة في إعادة الهيكلة. وبالتالي، فإن أي صفقة مع شركات صينية قد توفر متنفساً قصير الأجل، لكنها لن تعالج أصل التحدي.

وفي المحصلة، تكشف التطورات الحالية أن قطاع السيارات الألماني يقف عند نقطة انعطاف حساسة. فإما أن ينجح في التكيف مع واقع جديد تزداد فيه المنافسة الصينية وتتعاظم فيه كلفة الإنتاج الأوروبي، أو يدخل مرحلة أعمق من إعادة التشكل قد تغير ملامح الصناعة الألمانية لسنوات طويلة قادمة.