دخل مؤشر نيكي الياباني في منطقة التصحيح بعد هبوط حاد في جلسة الجمعة، في وقت تعرضت فيه أسهم التكنولوجيا والرقائق لموجة بيع عالمية دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر. وجاء التراجع في بيئة سوقية مضطربة تأثرت بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب تجدد المخاوف بشأن مسار الفائدة الأميركية وتقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي.
وأغلق المؤشر الياباني القياسي منخفضاً 4.03 في المائة عند 64,141.12 نقطة، بعدما اتسعت خسائره خلال الجلسة إلى 6.18 في المائة في وقت ما. وبهذا الهبوط أصبح المؤشر أقل بنحو 11.3 في المائة من أعلى مستوى تاريخي سجله في 25 يونيو عند 72,366.34 نقطة. كما تراجع مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً 2.72 في المائة إلى 3,919.21 نقطة.
ضغط عالمي على شركات الرقائق
جاءت خسائر طوكيو امتداداً لتراجع واضح في أسواق الأسهم الأميركية خلال الليلة السابقة، حيث قادت شركات التكنولوجيا موجة الهبوط رغم متانة البيانات الاقتصادية واستمرار موسم الأرباح عند مستويات قوية. وزادت لهجة مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركية تشدداً، ما عزز توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو احتمال رفعها مجدداً، وهو ما ضغط على الأصول الحساسة للنمو.
وفي أسواق أشباه الموصلات، هبط مؤشر فيلادلفيا للرقائق 4.3 في المائة، بينما خسرت أسهم شركة إس كيه هاينكس المدرجة في الولايات المتحدة أكثر من 13 في المائة. ومع إغلاق السوق الكورية الجنوبية بسبب عطلة رسمية، انتقلت الضغوط بصورة أكبر إلى الأسهم اليابانية المرتبطة بالتكنولوجيا، خصوصاً الشركات المتصلة بسلسلة توريد الذاكرة والرقائق.
وتصدرت شركة كيوكسيا القابضة قائمة الخاسرين في نيكي من حيث النسبة المئوية، بعدما هوت 16.1 في المائة، في أكبر تراجع يومي لها منذ نوفمبر 2025. وتبعتها سومكو بهبوط 15.17 في المائة، ثم سكرين هولدينغز بنسبة 12.04 في المائة. كما كانت خسائر السوق عريضة النطاق، إذ ارتفعت أسهم 71 شركة فقط ضمن نيكي مقابل انخفاض 152 شركة، فيما بقي سهمان دون تغيير.
الذكاء الاصطناعي لا يزال داعماً على المدى الطويل
رغم هذه الموجة البيعية، لا يرى بعض المحللين أن الأساسيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبنية التحتية لمراكز البيانات قد تغيرت. ويشيرون إلى أن التراجع الحالي يبدو أقرب إلى تصحيح فني بعد ارتفاعات قوية سابقة، أكثر منه انعكاساً في الطلب الحقيقي على الرقائق.
وقال محللون في السوق إن القلق الحالي يتركز على ما إذا كانت أسعار رقائق الذاكرة قادرة على مواصلة الارتفاع بشكل مستدام، في ظل موجة التفاؤل الكبيرة التي دفعت أسهم القطاع إلى مستويات مرتفعة خلال الأشهر الماضية. وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن المشكلة ليست في اختفاء الطلب، بل في مدى قدرة هذا الطلب على تبرير الأسعار الحالية بعد التسارع الحاد في الارتفاع.
كما أشار متعاملون إلى أن تراجع المعنويات في اليابان تأثر أيضاً بحالة الحذر تجاه الاكتتابات والتمويلات الضخمة في قطاع التكنولوجيا الآسيوي، إذ أصبحت السيولة أكثر حساسية لأي صفقة كبيرة قد تستنزف الأموال من السوق الأوسع.
التوترات الجيوسياسية تزيد النفور من المخاطرة
زاد المشهد الجيوسياسي المعقد من ضعف شهية المخاطرة، بعدما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوسيع الضربات على إيران. وتزامن ذلك مع استمرار القتال وارتفاع المخاطر المرتبطة بالشحن والطاقة، ما دفع المستثمرين إلى البحث عن الأمان في العملات والسندات وأصول التحوط.
وارتفعت أسعار النفط خلال الأسبوع، في وقت أثارت فيه التطورات في الخليج مخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع التضخم العالمي. وهذه البيئة عادة ما تضغط على أسهم النمو، بما في ذلك شركات الرقائق والتكنولوجيا التي تعتمد تقييماتها بدرجة كبيرة على توقعات الأرباح المستقبلية ومعدلات الخصم.
كما أن صعود أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على توقعات البنوك المركزية، ويجعل الأسواق أكثر حساسية لأي إشارة إلى تشديد إضافي في السياسة النقدية. ولهذا، لم يكن هبوط نيكي حدثاً معزولاً، بل جزءاً من إعادة تسعير أوسع للمخاطر عبر الأسواق العالمية.
السندات اليابانية تعكس قلق الفائدة والتضخم
في سوق السندات، ظهرت صورة أقل حدة لكنها لا تقل تعبيراً عن الحذر. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 2.715 في المائة، فيما انخفض العائد على السندات لأجل 20 عاماً قليلاً إلى 3.585 في المائة. أما السندات لأجل 30 عاماً فتراجعت عوائدها إلى 3.820 في المائة، بينما بقي العائد على السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لسياسة بنك اليابان، دون تغيير عند 1.425 في المائة.
ويعكس هذا التباين في العوائد حالة ترقب تجاه اتجاه التضخم في اليابان، واحتمالات أن يواصل البنك المركزي تشديد سياسته إذا استمرت الضغوط السعرية. كما أن تحركات السندات الحكومية اليابانية لا يمكن فصلها عن التطورات العالمية، ولا سيما في سوق الخزانة الأميركية وأسواق الدين الأوروبية، حيث تفاعلت العوائد مع بيانات اقتصادية قوية وارتفاع أسعار الطاقة.
وقال اقتصاديون في السوق إن أسعار النفط أصبحت عاملاً محورياً في تشكيل توقعات التضخم وأسعار الفائدة، خاصة مع استمرار تقلبات السوق النفطية. وفي هذا السياق، تبقى السندات طويلة الأجل عرضة لتقلبات أكبر إذا استمر القلق من ارتفاع الأسعار وامتداد أثره إلى السياسة النقدية.
الصين تشعر بالعدوى عبر أسهم التكنولوجيا واليوان
امتد الضغط أيضاً إلى أسواق الصين، حيث خسرت المؤشرات الرئيسية أكثر من 3 في المائة، في أسوأ أداء أسبوعي منذ أكثر من عامين. وجاء ذلك وسط مخاوف من تأثير الاكتتاب العام الضخم لشركة سي إكس إم تي لصناعة الرقائق على السيولة، إلى جانب موجة بيع عالمية في أسهم الذكاء الاصطناعي.
وتعرضت أسهم التكنولوجيا الصينية لهبوط واسع مع ترقب السوق لاكتتابات كبيرة إضافية قد تستنزف السيولة من السوق المحلية. كما أن خيبة الأمل من خطاب الصين في مؤتمر الذكاء الاصطناعي العالمي في شنغهاي، والذي ركز على الحوكمة والسلامة أكثر من الحوافز الاستثمارية الجديدة، ساهمت في إضعاف المعنويات.
وفي سوق العملات، تراجع اليوان الصيني أمام الدولار مع عودة الطلب على الملاذات الآمنة. ومع ذلك، بقيت العملة الصينية مدعومة على المدى المتوسط بعوامل هيكلية مثل تدويل اليوان وتحسن الإنتاجية والعلاقات التجارية، حتى وإن كانت الضغوط الدورية قد تبطئ وتيرة الصعود.
الأسواق العالمية تعيد تسعير المخاطر
النتيجة الأوسع لما حدث في طوكيو وشنغهاي وأوروبا والولايات المتحدة هي أن المستثمرين يعيدون تسعير العلاقة بين النمو والتضخم والفائدة في آن واحد. فارتفاع النفط يضغط على هوامش الشركات وعلى التوقعات التضخمية، بينما تبقى أرباح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي رهينة لدرجة كبيرة بتكلفة التمويل ومستوى السيولة العالمية.
وفي مثل هذا المناخ، تميل الأسواق إلى معاقبة الأصول الأكثر حساسية للتوقعات المستقبلية، حتى لو لم تتغير الأساسيات التشغيلية على المدى الطويل. ولهذا بدت موجة البيع الحالية أشبه باختبار جديد لثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا، خصوصاً في آسيا حيث ترتبط الأسواق بشكل وثيق بتطورات الرقائق الأميركية والطلب الصناعي العالمي.
وبينما يرى البعض أن ما يجري مجرد تصحيح بعد صعود قوي، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية وإشارات التشديد النقدي قد يبقيان التقلبات مرتفعة في الأسابيع المقبلة، مع بقاء أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي في قلب هذا التحول في المزاج الاستثماري.