نمو اقتصادي يتجاوز التوقعات الأولية
سجل اقتصاد سلطنة عمان نمواً حقيقياً بنسبة 2.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، ليصل الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة إلى 9.685 مليار ريال عماني، أي ما يعادل نحو 25.182 مليار دولار. وتعكس هذه النتيجة استمرار تحسن النشاط الاقتصادي، رغم تفاوت الأداء بين القطاعات الرئيسة.
وتشير البيانات الأولية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن النمو جاء في بيئة اقتصادية مدعومة بتحسن في الأنشطة النفطية، إلى جانب توسع واضح في الخدمات، بينما شهدت بعض الأنشطة الإنتاجية الأخرى تباطؤاً نسبياً.
ويعد هذا الأداء مؤشراً مهماً على مسار التعافي والتوازن في الاقتصاد العماني، خاصة مع استمرار الحكومة في تعزيز التنويع الاقتصادي وتقليص الاعتماد على قطاع واحد كمحرك رئيس للنمو.
النفط يقود الارتفاع مع تحسن الأنشطة المرتبطة به
أظهرت البيانات أن الأنشطة النفطية في السلطنة ارتفعت بنسبة 4.6 في المائة خلال الربع الأول، لتسجل 3.035 مليار ريال عماني، أي نحو 7.9 مليار دولار. وجاء هذا الارتفاع نتيجة تحسن أداء النفط والغاز معاً، وهو ما منح الاقتصاد دفعة مباشرة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.
ولا تزال مساهمة القطاع النفطي تحظى بأهمية كبيرة في الهيكل الاقتصادي العماني، سواء من حيث الإيرادات أو من حيث أثره غير المباشر على الأنشطة المرتبطة بالنقل والخدمات اللوجستية والاستثمار.
ورغم التوجه المتزايد نحو التنويع، فإن أداء القطاع النفطي يبقى عاملاً حاسماً في تفسير تقلبات النمو الفصلية، ولا سيما عندما تتزامن الزيادة في الإنتاج أو الأسعار مع تحسن في الطلب على الخدمات المرتبطة بالطاقة.
الأنشطة غير النفطية تواصل التوسع
في المقابل، سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 2.4 في المائة لتبلغ 7.039 مليار ريال عماني مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويظهر ذلك أن الاقتصاد العماني لم يعد يعتمد فقط على الطاقة، بل بات يستفيد بشكل متزايد من أداء قطاعات متعددة داخل الاقتصاد الحقيقي.
وتصدرت الزراعة وصيد الأسماك قائمة القطاعات الأسرع نمواً بزيادة بلغت 6.1 في المائة، وهو أداء يعكس حيوية بعض الأنشطة المرتبطة بالإنتاج المحلي والأمن الغذائي. كما ارتفعت الأنشطة الخدمية بنسبة 3.7 في المائة، ما يشير إلى استمرار دور الاستهلاك والخدمات الحكومية والتجارية في دعم النشاط الاقتصادي.
أما الأنشطة الصناعية، فسجلت تراجعاً محدوداً بنسبة 1.2 في المائة، وهو انخفاض يشير إلى وجود ضغوط تشغيلية أو دورية في بعض المكونات الصناعية، من دون أن يغير ذلك الاتجاه العام للنمو في بقية القطاعات.
قراءة في دلالات الأرقام
تقدم بيانات الربع الأول صورة مختلطة لكنها إيجابية في المجمل. فالنمو الذي تحقق لم يكن قائماً على مصدر واحد، بل نتج عن تفاعل بين تعافي القطاع النفطي وتحسن الخدمات والأنشطة الزراعية، في وقت بقيت الصناعة تحت ضغط طفيف.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعزز قدرة الاقتصاد العماني على تحقيق نمو أكثر اتساعاً واستدامة، خصوصاً إذا استمر الزخم في القطاعات غير النفطية. كما أن تماسك الأداء عبر أكثر من قطاع يمنح صانعي السياسات مساحة أكبر لإدارة الأولويات المالية والاستثمارية خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون اقتصاديون أن استمرار نمو الخدمات والزراعة إلى جانب النفط يخفف من حساسية الاقتصاد تجاه التقلبات الخارجية، ويزيد من فرص بناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعاً خلال الأعوام المقبلة.
التنوع الاقتصادي يظل العامل الحاسم
يأتي هذا الأداء في وقت تواصل فيه سلطنة عمان الدفع باتجاه تنويع مصادر الدخل وتوسيع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي. وتُعد نتائج الربع الأول مؤشراً على أن هذا المسار يحقق بعض الثمار، وإن كان بوتيرة متفاوتة بين قطاع وآخر.
ومن منظور اقتصادي أوسع، فإن النمو الحقيقي بنسبة 2.6 في المائة يمثل إشارة على قدرة الاقتصاد على امتصاص التحديات وتحقيق توسع فعلي في القيمة المضافة. كما أن ارتفاع الخدمات والزراعة يشير إلى تحسن نسبي في الطلب المحلي والأنشطة المرتبطة بالاستهلاك والإنتاج.
ومع أن التراجع في الصناعة يفرض متابعة دقيقة، فإن البيانات الحالية لا تعكس اختلالاً هيكلياً بقدر ما تظهر تبايناً مرحلياً في الأداء بين القطاعات، وهو أمر شائع في الاقتصادات التي تمر بمراحل إعادة التوازن.
مؤشرات تدعم النظرة الإيجابية
القراءة العامة للأرقام تشير إلى أن السلطنة تدخل العام 2026 بأداء اقتصادي أكثر توازناً مما كان عليه الحال في بعض الفترات السابقة. فارتفاع الأنشطة النفطية والخدمات، إلى جانب النمو اللافت في الزراعة وصيد الأسماك، يعطي صورة عن اقتصاد يتحرك على أكثر من محور.
كما أن استمرار تسجيل ناتج محلي إجمالي يفوق 9.6 مليار ريال عماني في الربع الأول يعكس حجم النشاط الاقتصادي القائم وقدرته على مواصلة التوسع. ومن شأن ذلك أن يدعم الثقة في الأسواق المحلية، ويفتح المجال أمام مزيد من المبادرات الاستثمارية والقطاعية خلال الفصول المقبلة.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تبدو ملامح الاقتصاد العماني في بداية 2026 أكثر مرونة، مع استمرار الرهان على تنويع القاعدة الإنتاجية وتقوية دور القطاعات غير النفطية في دعم النمو المستقبلي.