أظهرت البيانات الشهرية الحديثة الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية أن النشاط الصناعي في المملكة استعاد جزءاً من زخمه خلال مايو 2026، بعدما ارتفع مؤشر الرقم القياسي للإنتاج الصناعي بنسبة 3.2 في المائة مقارنة بأبريل من العام نفسه. وجاء هذا التحسن مدفوعاً أساساً بارتفاع الأنشطة النفطية، في إشارة إلى تعافٍ قصير الأجل داخل القطاعات الإنتاجية الرئيسة.
وبحسب القراءة الرسمية، سجّلت الأنشطة النفطية نمواً شهرياً بنسبة 4.3 في المائة، وهو ما شكّل العامل الأبرز في دعم المؤشر العام. كما واصلت الأنشطة غير النفطية أداءها الإيجابي، وإن بوتيرة أهدأ، بعد أن حققت نمواً شهرياً نسبته 1.3 في المائة، ما يعكس قدراً من الاستقرار في القاعدة الإنتاجية الأوسع للاقتصاد.
تراجع سنوي رغم التحسن الشهري
على الرغم من هذا الارتداد على أساس شهري، لا تزال المقارنة السنوية تعكس ضغوطاً واضحة على المؤشر الصناعي. فقد انخفض الرقم القياسي العام للإنتاج الصناعي بنسبة 18.7 في المائة في مايو 2026 مقارنة بالشهر ذاته من 2025. ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى ارتفاع قاعدة المقارنة في العام الماضي، خصوصاً في قطاعي التعدين واستغلال المحاجر والصناعات التحويلية.
وتظهر هذه القراءة أن التحسن الشهري لا يعني بالضرورة تحولاً كاملاً في المسار السنوي، إذ تظل تأثيرات أسعار الطاقة، وحجم الإنتاج، ومؤشرات الطلب العالمي عوامل مؤثرة في الأداء الإجمالي للقطاع الصناعي السعودي.
الأنشطة النفطية تقود الحركة الصناعية
في تفصيل الأداء حسب الأنشطة الرئيسة، انخفض المؤشر الفرعي للأنشطة النفطية على أساس سنوي بنسبة 26.3 في المائة، رغم النمو الشهري المسجل في مايو. ويشير هذا التباين إلى أن التغيرات القصيرة الأجل لا تزال تدور داخل نطاق واسع من التقلبات المرتبطة بسوق الطاقة والإنتاج الفعلي.
أما الأنشطة غير النفطية، فقد جاءت أقل حدة في التراجع السنوي، إذ لم تنخفض إلا بنسبة 0.6 في المائة مقارنة بمايو 2025. ويعكس هذا الأداء قدرة نسبية على امتصاص جزء من الضغوط المرتبطة بقطاع النفط، مع استمرار مساهمة الأنشطة الصناعية والخدمية المرتبطة بالإنتاج في دعم الاستقرار الاقتصادي.
التعدين واستغلال المحاجر يحقق ارتداداً شهرياً
سجّل قطاع التعدين واستغلال المحاجر أحد أبرز التحركات في القراءة الأخيرة، بعدما ارتفع بنسبة 3.9 في المائة على أساس شهري مقارنة بأبريل 2026. وجاء ذلك بعد فترة من التراجع السنوي الحاد، إذ هبط القطاع بنسبة 28.6 في المائة مقارنة بشهر مايو من العام السابق.
ويعني هذا أن القطاع شهد تحسناً في مستوى الإنتاج الفوري، لكنه لا يزال تحت تأثير تراجع سنوي كبير. ويُنظر إلى هذا النشاط باعتباره من أهم مؤشرات القوة في الهيكل الصناعي السعودي، نظراً لارتباطه الوثيق بسوق الطاقة والمواد الأولية وحركة الصادرات.
الصناعات التحويلية تسجل نمواً محدوداً
في قطاع الصناعات التحويلية، ارتفع المؤشر الشهري بنسبة 1.6 في المائة، رغم أنه بقي منخفضاً على أساس سنوي بنسبة 6.2 في المائة. وتوضح البيانات أن هذا القطاع استفاد من تحسن بعض الأنشطة الفرعية، لكنه لم ينجح بعد في التحول إلى مسار نمو سنوي مستدام.
ومن بين الأنشطة الداعمة خلال مايو، ارتفع نشاط صنع فحم الكوك والمنتجات النفطية المكررة بنسبة 5.9 في المائة شهرياً، على الرغم من انخفاضه السنوي بنسبة 16.7 في المائة. كما حقق نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية زيادة شهرية طفيفة بلغت 0.2 في المائة، ما يشير إلى استقرار محدود في بعض سلاسل القيمة الصناعية.
المرافق والخدمات البيئية تواصل التحسن
سجّلت قطاعات البنية التحتية والمرافق العامة إشارات إيجابية في البيانات الرسمية. فقد ارتفع نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء بنسبة 15.8 في المائة على أساس شهري، مستفيداً من الطلب الموسمي المتزايد خلال الفترة محل القياس. ومع ذلك، ظل هذا النشاط منخفضاً بنسبة 1.4 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.
وفي المقابل، واصل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها تسجيل نتائج مستقرة نسبياً، بعدما نما بنسبة 0.2 في المائة شهرياً، وارتفع سنوياً بنسبة 5.7 في المائة. ويظهر هذا الأداء أن قطاعات الخدمات البيئية والبنية التحتية أصبحت أكثر حضوراً في دعم التوازن الصناعي العام.
قراءة اقتصادية للأرقام
تعكس بيانات مايو مزيجاً من التحسن اللحظي والضغوط الهيكلية في الوقت نفسه. فالنمو الشهري يشير إلى استجابة سريعة في بعض الأنشطة الصناعية، بينما يوضح التراجع السنوي أن القطاع لا يزال يتعامل مع أثر دورة سابقة من الارتفاعات القوية والتغيرات في الإنتاج.
كما أن التباين بين القطاعات النفطية وغير النفطية يبرز استمرار أهمية التنويع الاقتصادي في السعودية، خصوصاً في ظل سعي المملكة إلى تعزيز مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي وتنمية الصناعات التحويلية واللوجستية والخدمية المرتبطة بها.
وتحمل هذه القراءة أهمية خاصة للمستثمرين وصناع القرار، لأنها تمنح إشارة مبكرة إلى اتجاهات الطلب والإنتاج في الاقتصاد الحقيقي. كما أنها تساعد على تقييم مدى التقدم في موازنة الأداء بين الطاقة والصناعة وبقية القطاعات ذات الصلة.
ما الذي تعنيه هذه النتائج للمرحلة المقبلة؟
إذا استمر التحسن الشهري في الأشهر التالية، فقد يوفر ذلك قاعدة أفضل لخفض حدة التراجع السنوي، خصوصاً إذا تزامن مع استقرار في الأسواق العالمية وتحسن في مستويات الطلب الصناعي. أما إذا بقيت القاعدة السنوية مرتفعة، فقد يظل المؤشر تحت ضغط المقارنة حتى مع تسجيل نمو قصير الأجل.
وفي المحصلة، تظهر بيانات مايو 2026 أن الإنتاج الصناعي السعودي دخل مرحلة توازن دقيق بين انتعاش شهري ملموس وتراجع سنوي لا يزال قائماً. ويظل مسار القطاعات النفطية وغير النفطية عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاه المؤشر خلال الأشهر المقبلة، في وقت تواصل فيه السعودية بناء هيكل اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة.