الأعمال والاقتصاد الرقمي 22-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الاقتصاد السعودي ينمو 3% في الربع الأول مدفوعاً بتوازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في السعودية نمواً سنوياً بنسبة 3% خلال الربع الأول من 2026، مع مساهمة متوازنة من الأنشطة النفطية وغير النفطية والإنفاق الحكومي، وسط إشادة دولية بمرونة الاقتصاد وقدرته على امتصاص الصدمات الإقليمية.

نمو يفوق التقديرات الأولية

أظهرت البيانات النهائية أن الاقتصاد السعودي واصل تسجيل أداء إيجابي خلال الربع الأول من عام 2026، مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3 في المائة على أساس سنوي. وجاءت النتيجة أعلى من القراءة السريعة السابقة التي أشارت إلى نمو قدره 2.8 في المائة، ما يعكس تحسناً طفيفاً في التقديرات الرسمية بعد استكمال البيانات القطاعية.

ويكتسب هذا الأداء أهمية خاصة في ظل بيئة إقليمية متوترة أثّرت على التجارة وسلاسل الإمداد وحركة الشحن في المنطقة. ومع ذلك، حافظ الاقتصاد على وتيرته الصاعدة، مدعوماً بتوزيع متوازن للنمو بين القطاعات الرئيسة، وباستمرار النشاط الاستثماري والإنفاق العام.

وكان الاقتصاد السعودي قد أنهى الربع الأخير من عام 2025 بنمو أقوى بلغ 5.2 في المائة، ما يعني أن الربع الأول من 2026 شهد تباطؤاً نسبياً، لكنه ظل ضمن نطاق نمو إيجابي يعكس قدرة أكبر على التكيّف مع الضغوط الخارجية.

توازن بين النفط وغير النفط والقطاع الحكومي

بحسب البيانات الرسمية، أسهمت الأنشطة النفطية والأنشطة غير النفطية بالنمو ذاته تقريباً، حيث ارتفع كل منهما بنسبة 2.9 في المائة على أساس سنوي، فيما سجلت الأنشطة الحكومية زيادة بنسبة 1.5 في المائة. ويشير هذا التوزيع إلى أن الاقتصاد لم يعتمد على محرك واحد، بل استفاد من مساهمة أوسع بين القطاعات الإنتاجية والإنفاق العام.

وعلى أساس ربعي بعد التعديل الموسمي، تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.2 في المائة مقارنة بالربع الرابع من 2025، نتيجة هبوط الأنشطة النفطية 6.8 في المائة. لكن هذا الانخفاض قابلته زيادات في الأنشطة الحكومية وغير النفطية بنسبة 1.4 في المائة و0.3 في المائة على التوالي، ما خفف من أثر التراجع الموسمي وأظهر استمرار الزخم في بقية مكونات الاقتصاد.

هذا النمط يعكس اقتصاداً يعمل عبر عدة محركات، بحيث لا تؤدي التقلبات في قطاع الطاقة إلى تعطيل المسار العام للنمو، وهو ما يكتسب أهمية في ظل حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب لوجستي أو جيوسياسي في المنطقة.

خدمات المال والتصنيع تتصدر المشهد

على مستوى الأنشطة التفصيلية، برزت خدمات المال والتأمين وخدمات الأعمال كأسرع القطاعات نمواً، إذ ارتفعت بنسبة 5.4 في المائة على أساس سنوي. كما واصلت الصناعات التحويلية - باستثناء تكرير الزيت - توسعها بنمو بلغ 4 في المائة، فيما سجلت أنشطة الزيت الخام والغاز الطبيعي زيادة سنوية بنسبة 3.6 في المائة.

وتدل هذه الأرقام على أن نمو الاقتصاد السعودي لا يقتصر على القطاعات التقليدية، بل يمتد إلى الأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى والخدمات المرتبطة بالتمويل والأعمال والإنتاج الصناعي. كما أن هذا التوسع يوفر مؤشراً على استمرار تحول تدريجي نحو قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً.

ورغم أن الأنشطة النفطية تأثرت على أساس ربعي باضطرابات الشحن، فإن الأداء السنوي بقي إيجابياً. وهذا يؤكد أن أثر التوترات اللوجستية كان محدوداً نسبياً مقارنة بقدرة البنية الاقتصادية على امتصاص الصدمات.

الإنفاق الحكومي والاستثمار يدعمان الطلب المحلي

في جانب الإنفاق، سجل الاستهلاك النهائي الحكومي نمواً لافتاً بلغ 11.3 في المائة على أساس سنوي، وهو ما يعكس استمرار دور الدولة في دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز الطلب المحلي. كما ارتفع الاستهلاك النهائي الخاص بنسبة 5.3 في المائة، بما يشير إلى تحسن نسبي في الإنفاق الاستهلاكي للأسر والأفراد.

أما إجمالي تكوين رأس المال الثابت فزاد 3.9 في المائة سنوياً و7.5 في المائة على أساس ربعي، وهو مؤشر مهم على استمرار الاستثمار في الأصول الثابتة والمشروعات الإنتاجية والبنية التحتية. ويعد هذا المسار من أبرز العوامل الداعمة لنمو الاقتصاد على المدى المتوسط، لأنه يوسع القدرة الإنتاجية ويعزز تنافسية القطاعات المختلفة.

وفي التجارة الخارجية، ارتفعت الصادرات بنسبة 1.4 في المائة سنوياً، بينما انخفضت الواردات بنسبة 5.5 في المائة. ويعكس هذا التباين مزيجاً من عوامل الطلب الداخلي وتحسن بعض بنود الميزان التجاري، في وقت تظل فيه التجارة العالمية معرضة لتقلبات شديدة بفعل الأوضاع الجيوسياسية.

إشادة دولية بالمرونة المالية والنقدية

حظي الأداء السعودي بتقدير من بعثة خبراء صندوق النقد الدولي، التي رأت أن المملكة تمكنت من الحد من آثار الاضطرابات الإقليمية عبر بنية تحتية مرنة واستجابة سريعة في إدارة مسارات الإمداد والتجارة. وأشارت البعثة إلى دور خط أنابيب شرق-غرب وموانئ البحر الأحمر في تقليص الاختناقات اللوجستية، إلى جانب الهامش المالي المتاح عبر صندوق الثروة السيادية والقطاع المصرفي المستقر.

كما أشاد الصندوق باستمرار البنك المركزي السعودي في تطبيق احتياطي رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية عند مستوى 100 نقطة أساس، معتبراً أن ربط الريال بالدولار يمنح السياسة النقدية قدراً أكبر من المصداقية ويعزز الاستقرار المالي. وتأتي هذه الإشادة في سياق أوسع من الثقة الدولية في قدرة المنظومة المالية السعودية على التعامل مع الضغوط الخارجية.

وفي جانب الإصلاحات الهيكلية، رحب الصندوق بإعادة ضبط استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030، بما يسمح بتوجيه رأس المال بصورة أكثر انتقائية وجذب مزيد من مشاركة القطاع الخاص. كما اعتبر أن تقدم مسار رؤية 2030، بما يشمل تعميق أسواق المال ومواءمة التعليم وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات اللوجستية، سيظل عاملاً حاسماً في دعم التنويع الاقتصادي المستدام.

ما الذي تعنيه هذه الأرقام للاقتصاد السعودي؟

تعني بيانات الربع الأول أن الاقتصاد السعودي يدخل المرحلة المقبلة بقدر واضح من التوازن بين القطاعات، حتى مع استمرار الضغوط الجيوسياسية في المنطقة. فالنمو لم يعد مرتبطاً فقط بتقلبات النفط، بل أصبح يعتمد بشكل أكبر على الأنشطة غير النفطية والخدمات المالية والصناعة والاستثمار الحكومي.

كما أن ارتفاع تكوين رأس المال الثابت يشير إلى أن المشاريع الاستثمارية ما زالت تشكل رافعة أساسية للنمو، وهو أمر مهم في ظل سعي المملكة إلى تعزيز التنويع الاقتصادي ورفع إنتاجية القطاعات غير النفطية. وفي المقابل، تظل إدارة التوازن بين الإنفاق العام والانضباط المالي من الملفات المحورية خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمرت التحديات الإقليمية في التأثير على حركة التجارة والتكاليف اللوجستية.

وبصورة عامة، يقدم الربع الأول من 2026 صورة لاقتصاد قادر على النمو رغم الضغوط، ومسنود ببنية مالية ومؤسسية قوية، مع استمرار التحول نحو نموذج أكثر تنوعاً واستدامة.