عوائد السندات تعكس مزاج الأسواق
شهدت أسواق السندات الحكومية في منطقة اليورو جلسة اتسمت بعودة الحذر، بعدما دفع ارتفاع محدود في أسعار النفط المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر، في وقت زادت فيه لهجة مسؤولي البنك المركزي الأوروبي تشدداً بشأن التضخم ومسار أسعار الفائدة. وجاءت الحركة الصعودية في العوائد بعد أيام من التراجع النسبي، ما أظهر حساسية السوق تجاه أي تغير في المشهدين الجيوسياسي والنقدي.
وارتفع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المرجع الأساسي لأسواق الدين في المنطقة، بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 2.955 في المائة. وكان هذا العائد قد انخفض في وقت سابق من الأسبوع إلى 2.915 في المائة، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من شهرين، قبل أن تعكسه التطورات الأخيرة نحو الأعلى.
كما صعد العائد على السندات الألمانية لأجل عامين نقطتين أساسيتين إلى 2.626 في المائة، في إشارة إلى أن الجزء القصير من المنحنى لم يعد بمنأى عن توقعات التشديد النقدي المستقبلي، وإن كانت الحركة فيه أقل حدة من السندات الأطول أجلاً.
النفط يعيد المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة
جاء الضغط على أسواق السندات بالتزامن مع ارتفاع طفيف في أسعار النفط، بعد إعلان سويسرا أن المحادثات الأميركية مع المفاوضين الإيرانيين بشأن اتفاق يهدف إلى إنهاء الصراع في الشرق الأوسط لن تُعقد يوم الجمعة. هذا التطور أعاد بعض الشكوك إلى المشهد، خصوصاً أن الأسواق كانت قد بنت جزءاً من رهاناتها على انفراج قريب يخفف من اضطراب الإمدادات والطاقة.
وكانت أسعار خام برنت والخام الأميركي قد هبطت بشكل واضح بعدما تبلورت مؤشرات أولية على تهدئة، لكن استمرار الغموض حول قدرة أي تفاهم على الصمود، مع وجود اعتراضات سياسية داخل الولايات المتحدة وإسرائيل، جعل المتعاملين أكثر تحفظاً. ومع أي ارتداد جديد في أسعار الطاقة، تميل عوائد السندات إلى الصعود بسبب توقعات تضخم أكثر صلابة.
ويرى متابعون أن الأسواق لم تعد تتعامل مع ملف الطاقة باعتباره عاملاً منفصلاً، بل بوصفه مؤشراً مباشراً على درجة الاستقرار الجيوسياسي، وعلى الأثر المحتمل لذلك في توجهات البنوك المركزية، خاصة في أوروبا حيث لا يزال التضخم محور النقاش الأساسي.
رسائل البنك المركزي الأوروبي تزيد الرهانات على رفع إضافي
في الجانب النقدي، أدت تصريحات صادرة عن أعضاء في البنك المركزي الأوروبي إلى تعزيز القناعة بأن دورة التشديد لم تنتهِ بعد. وقال بيير وونش، العضو في مجلس إدارة البنك، إن المؤسسة قد تعود إلى رفع الفائدة في أقرب وقت الشهر المقبل إذا ظهرت علامات على اتساع التضخم خارج نطاق الطاقة، حتى لو بقيت الأوضاع الجيوسياسية أقل توتراً من ذي قبل.
وجاءت هذه الإشارة بعد تعليقات مماثلة من كبير الاقتصاديين في البنك، فيليب لين، الذي رأى أن اقتصاد منطقة اليورو بات أكثر قدرة على تحمّل زيادات إضافية في أسعار الفائدة دون أن يتعرض زخمه للنزيف. هذه الرسائل مجتمعة عززت ما يشبه إعادة التسعير التدريجية في السوق، إذ بات المستثمرون يستبعدون بشكل أقل احتمال رفع جديد خلال العام الحالي.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في وقت سابق من الأسبوع لتصل إلى 2.25 في المائة، ما يعني أن أي خطوة إضافية ستعني استمرار مرحلة التضييق المالي في وقت لا تزال فيه بعض الاقتصادات الأوروبية تواجه تباطؤاً في النشاط وارتفاعاً في كلفة التمويل.
السوق تسعّر استمرار التشديد رغم تراجع النفط
رغم أن أسعار النفط تراجعت إلى مستويات أدنى من الذروة الأخيرة، فإن الأسواق لا ترى في ذلك سبباً كافياً لتغيير توقعاتها بالكامل. وقال بنجامين شرودر، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في بنك «آي إن جي»، إن المتعاملين ما زالوا يضعون في الحسبان احتمال قيام البنك المركزي الأوروبي برفع إضافي للفائدة في سبتمبر أو أكتوبر، حتى مع تراجع الخام خلال الأسبوع.
وأشار إلى أن عدم اليقين الجيوسياسي لا يزال قائماً، وهو ما يمنح صانعي السياسة النقدية سبباً إضافياً للتريث قبل إعلان نهاية دورة التشديد. كما أن اللهجة الصادرة عن البنك تظل عنصراً مؤثراً في إبقاء توقعات الفائدة مرتفعة، لأن الرسائل الرسمية نفسها تشكل جزءاً من أدوات ضبط التضخم عبر التأثير في توقعات السوق والاقتراض والاستثمار.
وفي هذا السياق، يبدو أن الجزء القصير من منحنى العائدات أكثر تعرضاً للتقلبات المرتبطة بالفائدة، بينما تتفاعل السندات الأطول مع مزيج أوسع من المخاطر، تشمل التضخم والنمو والسياسة المالية والمشهد العالمي للطاقة.
السندات الإيطالية تلتحق بالموجة
لم تقتصر التحركات على الدين الألماني، إذ ارتفع العائد على السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بمقدار 3 نقاط أساس ليصل إلى 3.667 في المائة، بعد أن كان قد لامس في وقت سابق من الأسبوع أدنى مستوى له منذ ثلاثة أشهر عند 3.619 في المائة. ويعكس هذا الارتفاع انتقال موجة البيع من السندات المرجعية إلى أسواق الدين في الدول الطرفية، وإن بقيت الحركة ضمن نطاق محدود نسبياً.
ويتابع المستثمرون الفارق بين العوائد الإيطالية والألمانية باعتباره مؤشراً على درجة المخاطرة داخل منطقة اليورو. وكلما ارتفعت عوائد السندات الأساسية مع تشدد السياسة النقدية أو عودة القلق الجيوسياسي، اتسع هامش الحذر في أسواق الدين الأوروبية الأوسع، حتى وإن ظل الطلب على الأصول الآمنة قائماً.
ما الذي يعنيه ذلك للأسواق في الفترة المقبلة؟
تعكس التطورات الأخيرة تداخلاً واضحاً بين ثلاثة عناصر رئيسية: أسعار الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتوقعات السياسة النقدية. ففي بيئة كهذه، لا تحتاج الأسواق إلى صدمة كبيرة كي تغير اتجاهها، بل يكفي خبر واحد يتعلق بالمفاوضات أو بتصريحات أحد مسؤولي البنك المركزي الأوروبي لرفع العوائد أو خفضها بصورة ملحوظة.
وفي المدى القريب، سيظل المستثمرون يراقبون ما إذا كانت أسعار النفط ستواصل الارتداد أو تعود إلى مسار هبوطي، وما إذا كان البنك المركزي الأوروبي سيقدم على لغة أكثر حذراً أم سيبقي الباب مفتوحاً لرفع إضافي. كما ستظل بيانات التضخم الأساسية مفتاحاً لتفسير أي تحرك جديد في السوق، خصوصاً مع استمرار القلق من انتقال أثر الطاقة إلى بقية القطاعات.
وبذلك، تبدو السندات الأوروبية حالياً في وضع يعكس هشاشة التوازن بين الرغبة في التعافي من موجة التشديد السابقة والحاجة إلى احتواء مخاطر جديدة قد تعيد التضخم والتمويل والإقبال على الأصول الآمنة إلى صدارة المشهد مرة أخرى.