19-Jul-2026 5 دقائق قراءة

صادرات كوريا الجنوبية تسجل أكبر قفزة سنوية منذ 1978 بدعم الرقائق والذكاء الاصطناعي

قفزت صادرات كوريا الجنوبية في يونيو بأعلى وتيرة سنوية منذ أواخر السبعينيات، مدفوعة بتضاعف مبيعات الرقائق الإلكترونية وزيادة الطلب المرتبط بالاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، ما رفع الفائض التجاري إلى مستوى قياسي جديد.

سجّلت كوريا الجنوبية في يونيو أداءً استثنائياً في تجارتها الخارجية، بعدما ارتفعت الصادرات بأسرع وتيرة سنوية منذ ما يقرب من نصف قرن، مدفوعة بالطلب القوي على الرقائق الإلكترونية وتوسّع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي. وجاءت النتائج أعلى من توقعات السوق، لتؤكد موقع القطاع التكنولوجي بوصفه المحرك الأهم للتجارة في رابع أكبر اقتصاد آسيوي.

وأظهرت بيانات أولية صادرة عن وزارة التجارة أن الصادرات قفزت بنسبة 70.9 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 102.25 مليار دولار في يونيو، مقارنة بنمو 53.4 في المائة في مايو. وتمثل هذه الزيادة أكبر ارتفاع سنوي منذ أكتوبر 1978، كما جعلت كوريا الجنوبية رابع دولة في العالم تتجاوز فيها قيمة الصادرات الشهرية عتبة 100 مليار دولار، بعد ألمانيا والصين والولايات المتحدة.

ويعكس هذا الأداء مدى ارتباط الاقتصاد الكوري بدورة الرقائق العالمية، إذ ارتفعت صادرات أشباه الموصلات بنسبة 199.5 في المائة لتبلغ 44.8 مليار دولار. وكانت هذه القفزة العامل الأبرز وراء تحسن إجمالي الصادرات، في وقت تشهد فيه شركات التكنولوجيا الكبرى موجة استثمارات واسعة في البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات والقدرات الحاسوبية العالية.

الذكاء الاصطناعي يرفع الطلب على أجهزة الكمبيوتر والصلب

لم تقتصر المكاسب على الرقائق وحدها، إذ سجلت صادرات أجهزة الكمبيوتر نمواً حاداً بلغ 308.8 في المائة، مستفيدة من زيادة إنفاق شركات التكنولوجيا العالمية على منظومات الذكاء الاصطناعي. كما أنهت منتجات الصلب فترة انخفاض استمرت 13 شهراً، لترتفع 9.6 في المائة بدعم من الطلب المرتبط ببناء مراكز البيانات والمشروعات التقنية ذات الصلة.

أما منتجات النفط فارتفعت 49.8 في المائة، مدفوعة بصعود أسعار النفط العالمية، ما أضاف دعماً إضافياً إلى حصيلة الصادرات. وتُظهر هذه الأرقام أن النمو لم يكن محصوراً في قطاع واحد، بل شمل حلقات إنتاجية وصناعية متعددة استفادت من التحول العالمي نحو البنية الرقمية والطلب الصناعي المرتبط بها.

وعلى مستوى الأسواق، زادت الشحنات الكورية إلى الصين بنسبة 92.1 في المائة، وإلى الولايات المتحدة بنسبة 78.6 في المائة، وإلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 31.8 في المائة. وفي المقابل، تراجعت الصادرات إلى الشرق الأوسط بنسبة 8.4 في المائة، ما يشير إلى تفاوت واضح في اتجاهات الطلب الجغرافي خلال الشهر.

الواردات ترتفع والفائض التجاري يسجل رقماً قياسياً

في جانب الواردات، ارتفعت الواردات الكورية بنسبة 30.1 في المائة إلى 66.10 مليار دولار، بعد نمو بلغ 20.7 في المائة في الشهر السابق. وجاءت هذه الزيادة أسرع من التقديرات التي رجحت نمواً بنحو 26.3 في المائة، كما كانت الأسرع منذ مايو 2022، وهو ما يعكس أيضاً تحركاً في الطلب المحلي وبعض واردات مدخلات الإنتاج.

ورغم ارتفاع الواردات، حققت كوريا الجنوبية فائضاً تجارياً شهرياً قدره 36.15 مليار دولار، ليصبح الأكبر على الإطلاق. وبهذا الأداء، وصل الفائض في النصف الأول من العام إلى 138.3 مليار دولار، مقارنة بـ77.4 مليار دولار خلال العام 2025 بأكمله، ما يعكس تحسناً كبيراً في وضع الميزان التجاري خلال فترة قصيرة.

وتعطي هذه المؤشرات صورة واضحة عن قوة قطاع التصدير الكوري في المرحلة الحالية، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن مدى اعتماد الاقتصاد على موجة استثمار عالمية واسعة في التقنيات المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي والشرائح الإلكترونية. ومع استمرار الطلب العالمي على هذه المنتجات، تظل النتائج مرهونة بقدرة الشركات على الحفاظ على مستويات الإنتاج والتوريد في ظل تقلبات سلاسل الإمداد ودورات الأسعار.

قراءة اقتصادية أوسع

تؤكد البيانات أن الرقائق الإلكترونية لا تزال تحتل مركز الثقل في التجارة الكورية، وأن أي توسع في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ينعكس سريعاً على الصادرات الصناعية. كما أن صعود أجهزة الكمبيوتر والصلب يرتبط مباشرة بالاستثمارات في البنية التحتية الرقمية، وهو ما يبرز التشابك بين الاقتصاد الرقمي والتصنيع التقليدي في كوريا الجنوبية.

ومن منظور اقتصادي أوسع، يمنح الفائض التجاري القياسي الحكومة والشركات مساحة أكبر لمواجهة الضغوط الخارجية، لكنه يضع أيضاً تحدياً أمام استمرار هذا الزخم إذا تباطأت دورة الاستثمار في التكنولوجيا أو تراجعت أسعار المكونات الإلكترونية. لذلك، يبقى الأداء القوي الحالي مؤشراً على مرونة الاقتصاد الكوري، أكثر من كونه ضمانة لاستمرار النمو بالوتيرة نفسها في الشهور المقبلة.