خطوة مالية جديدة بين طرابلس وبكين
اتجهت ليبيا إلى تعزيز حضورها في منظومة المدفوعات الآسيوية عبر الاتفاق على الانضمام إلى نظام المدفوعات الصيني CIPS، في خطوة يُنظر إليها باعتبارها محاولة عملية لتسهيل التعاملات التجارية والمالية مع الصين وتقليص الاعتماد على الدولار في جزء من المبادلات الخارجية.
وجاء الاتفاق خلال لقاء جمع محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى بمحافظ بنك الشعب الصيني بان غونغ شنغ في بكين، حيث ناقش الطرفان مسارات أوسع للتعاون المصرفي والمالي، مع تركيز واضح على تطوير البنية التحتية المالية والاستفادة من التجربة الصينية في أنظمة الدفع الحديثة والتقنيات المالية.
ما الذي يعنيه الانضمام إلى CIPS؟
يُعد نظام CIPS واحداً من القنوات التي تستخدم لتسوية المدفوعات عبر اليوان الصيني، ما يمنح الشركات والبنوك وسيلة أكثر مباشرة لإجراء التحويلات المرتبطة بالتجارة مع الصين. وبالنسبة لليبيا، فإن الانضمام إلى هذا النظام قد يخفف بعض التعقيدات المرتبطة بالتحويلات الدولية ويزيد من سرعة إنجاز المدفوعات.
ويرى مصرف ليبيا المركزي أن هذه الخطوة ستنعكس على كفاءة المعاملات المالية بين البلدين، وستُسهم في دعم انسيابية التجارة وتسهيل عمليات الدفع والتحويل، وهو ما قد يفيد الشركات الليبية المستوردة من السوق الصينية، إلى جانب البنوك التي تنفذ العمليات المرتبطة بهذه التجارة.
تأثير مباشر على التجارة والقطاع المصرفي
بالنسبة لمجتمع الأعمال، تمثل هذه الخطوة فرصة لتقليص بعض الاحتكاكات المرتبطة بتسوية المدفوعات العابرة للحدود. فكلما زادت قنوات الدفع المباشرة، تراجعت كلفة المعاملة وتحسنت السرعة والمرونة في تنفيذ الصفقات، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد بشكل متكرر على الاستيراد.
كما أن التعاون المصرفي مع الصين يفتح الباب أمام نقل المعرفة في مجالات التكنولوجيا المالية والبنية التحتية الرقمية، وهي ملفات تكتسب أهمية متزايدة لدى المصارف المركزية التي تسعى إلى تحديث أنظمة الدفع وتحسين كفاءة التسويات الداخلية والخارجية.
تنويع الاحتياطيات والانتقال إلى اليوان
إلى جانب المدفوعات، اتفق الجانبان على بحث دخول الاستثمارات الليبية إلى سوق السندات الصيني، ضمن توجه أوسع من مصرف ليبيا المركزي لتنويع محافظه الاستثمارية وإدارة احتياطياته بصورة أكثر تنوعاً. ويعني ذلك أن العلاقة لا تقتصر على تسهيل التجارة، بل تمتد إلى أدوات استثمارية ومالية أعمق.
هذا المسار يمنح ليبيا هامشاً أكبر للتحرك في إدارة الأصول الخارجية، خصوصاً في بيئة عالمية تتأثر فيها الأسواق بسرعة بتغيرات أسعار الفائدة وحركة العملات. كما أن الاعتماد على اليوان في جزء من المعاملات قد يحد من الضغط على الدولار، ويوفر بديلاً في تسعير بعض السلع المستوردة من الصين.
منتدى مصرفي مشترك مطلع 2027
ضمن مخرجات اللقاء، أعلن الطرفان أيضاً عن التحضير لإطلاق المنتدى المصرفي الليبي - الصيني للمرة الأولى على هامش المنتدى الصيني - الأفريقي مطلع عام 2027. ويُفترض أن يشكل هذا المنتدى منصة لتوسيع الحوار بين المؤسسات المالية في البلدين، واستكشاف فرص الشراكة والاستثمار والتعاون التقني.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية لأنها تضع العلاقات المصرفية في إطار مؤسسي أكثر استقراراً، ما يسمح بمتابعة الملفات التنفيذية بدل الاكتفاء بالتفاهمات العامة. كما أنها توفر مساحة لتبادل الخبرات حول الامتثال، وإدارة المخاطر، وتطوير الخدمات المالية الرقمية.
قراءة اقتصادية أوسع
الخبير الاقتصادي أبو بكر الطور اعتبر أن دخول ليبيا إلى نظام المدفوعات الصيني واستخدام اليوان في جزء من التعاملات يمثلان اتجاهاً نحو تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. وبرأيه، فإن الاستيراد المباشر من الصين باليوان يمكن أن يخفف كلفة التحويلات، ويساعد أيضاً على تنويع احتياطيات النقد الأجنبي.
وأشار الطور إلى أن هذه الآلية قد تقلل من مخاطر تقلبات أسعار الصرف، وهو عامل مهم لأي اقتصاد يعتمد على الواردات في تلبية جانب كبير من احتياجاته. كما رجح أن يتم تطبيق الاتفاق عبر المصارف الليبية كافة من خلال مصرف ليبيا المركزي، بما يضمن توحيد القنوات وآليات التنفيذ.
هل تواجه الخطوة تحديات؟
رغم ما تحمله من مزايا، فإن نجاح الخطوة سيتوقف على جاهزية البنوك المحلية، ومدى قدرتها على التكيف مع القنوات الجديدة، إضافة إلى متطلبات الامتثال الفني والرقابي المرتبطة بالتعامل مع أنظمة الدفع الدولية. كما أن تحويل الفكرة إلى نتائج ملموسة يحتاج إلى ترتيبات تشغيلية واضحة بين المؤسسات المعنية في البلدين.
ومع ذلك، تبدو الخطوة منسجمة مع توجه أوسع لدى عدد من الأسواق الناشئة لتنويع أدوات التسوية الدولية والحد من الاعتماد المفرط على عملة واحدة. وفي الحالة الليبية، قد يشكل هذا المسار بداية لإعادة صياغة جزء من العلاقات المالية الخارجية على أسس أكثر تنوعاً ومرونة.
وبين تسهيل التجارة، وتنويع الاحتياطيات، وتوسيع استخدام اليوان، تضع ليبيا نفسها على مسار مالي جديد قد تكون له انعكاسات تدريجية على القطاع المصرفي، وعلى طريقة تمويل وارداتها وإدارة علاقاتها الاقتصادية مع الصين خلال السنوات المقبلة.