20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

العبار يخطط لمشروعات عمرانية وسياحية في دمشق واللاذقية باستثمارات قد تصل إلى 20 مليار دولار

تتجه خطط استثمارية جديدة في سوريا إلى تطوير مشروعات متكاملة في دمشق واللاذقية، تشمل السكن والفنادق والمراكز التجارية والأعمال، مع بحث آليات تمويل ونموذج ملكية تشاركي بين الحكومة والمستثمرين.

تتجه أنظار المستثمرين إلى سوريا مع ظهور خطط جديدة لمشروعات عمرانية وسياحية وتجارية واسعة النطاق في دمشق واللاذقية، في خطوة تعكس عودة الحديث عن إعادة بناء القطاعات الأكثر قدرة على تحريك الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال الإقليمية. وتقوم هذه الرؤية على إنشاء مجتمعات متكاملة تجمع بين السكن والخدمات والترفيه والأعمال، بدل الاكتفاء بمشروعات منفصلة أو تطوير محدود النطاق.

وبحسب الطرح المتداول، فإن المشروعات المقترحة لا تقتصر على الوحدات السكنية، بل تمتد إلى فنادق ومنتجعات ومرافق تجارية ومراكز أعمال، إلى جانب خدمات متنوعة تستهدف تشكيل بيئة حضرية حديثة في مدينتين تُعدان من أهم المراكز الاقتصادية والسياحية في البلاد. ويرى القائمون على هذه الخطط أن هذا النوع من التطوير يمكن أن يفتح المجال أمام نشاط اقتصادي أوسع من قطاع العقار وحده، عبر خلق وظائف جديدة وتحريك سلاسل توريد وخدمات مرتبطة بالبناء والإدارة والسياحة.

مشروعات متعددة الاستخدامات في مدينتين محوريتين

الفكرة الأساسية وراء هذه المشروعات تقوم على تطوير مساحات جديدة داخل دمشق واللاذقية بصورة متكاملة، بحيث تشمل مباني سكنية ومناطق تجارية ومؤسسات ضيافة ومرافق مخصصة للأعمال. هذا النموذج بات شائعاً في أسواق التطوير العقاري الحديثة لأنه يربط بين الاستثمار العقاري والعائد التشغيلي طويل الأجل، ويمنح المشروع قدرة أكبر على الاستمرار بعد انتهاء مرحلة البناء.

وتكتسب دمشق واللاذقية أهمية خاصة في هذا السياق. فالعاصمة تمثل مركز الإدارة والخدمات والأعمال، بينما تتمتع اللاذقية بميزة ساحلية وسياحية تجعلها مناسبة لمشروعات تجمع بين الإقامة والضيافة والترفيه. ومن هنا، فإن توجيه الاستثمارات إلى هاتين المدينتين قد يخلق قاعدة عمرانية جديدة قادرة على استيعاب الطلب المستقبلي على السكن والخدمات الحديثة.

هيكل ملكية مشترك وإدارة للمناطق المطورة

تشير التصورات الأولية إلى تأسيس شركة جديدة تكون مملوكة بصورة مشتركة بين الحكومة السورية ومستثمرين من دول الخليج، إضافة إلى سوريين يرغبون في المشاركة مقابل حصص ملكية. وستتولى هذه الشركة ملكية المناطق المستهدفة بالتطوير وإدارتها، ما يعني أن المشروع لا يقتصر على تنفيذ أعمال إنشائية، بل يمتد إلى إدارة الأصول والأراضي والمرافق على المدى الطويل.

هذا النموذج يهدف عادة إلى منح المشروع إطاراً مؤسسياً أكثر وضوحاً، وتقليل التداخل بين الملكية والإدارة، وتسهيل دخول شركاء متعددين في نفس الوقت. كما أنه قد يتيح توزيعاً مختلفاً للمخاطر والعوائد، وهو أمر مهم في المشروعات الكبرى التي تحتاج إلى تمويل طويل الأمد وضمانات تشغيل واضحة.

وتفيد المعطيات المتاحة بأن الحكومة السورية يُنتظر أن توفر الأراضي اللازمة لهذه المشروعات، فيما لا تزال التفاصيل المتعلقة بالتمويل والآليات الاستثمارية قيد الإعداد. وهذا يعني أن المرحلة الحالية ما زالت في نطاق التحضير والتصميم المالي، قبل الانتقال إلى تنفيذ فعلي على الأرض.

تمويل الإسكان منخفض التكلفة ضمن الرؤية الاستثمارية

إلى جانب المشروعات الكبرى الموجهة إلى الشرائح المتوسطة والعليا والسوق السياحية، يجري بحث صيغ موازية لتلبية الحاجة إلى مساكن منخفضة التكلفة. ومن بين المقترحات المطروحة تخصيص جزء من المشروعات لمنازل بأسعار معقولة، أو توجيه مبلغ يتراوح بين 5000 و10000 دولار من كل منزل يتم بيعه إلى صندوق خاص يُستخدم لإعادة بناء منازل الأسر الأكثر احتياجاً.

هذا التوجه يعكس محاولة لربط الاستثمار التجاري بمكوّن اجتماعي، بحيث لا تبقى العوائد محصورة في القطاعات الأعلى ربحية فقط. وفي حال تطبيقه، يمكن أن يشكل هذا الصندوق أداة تمويل إضافية لجهود إعادة الإعمار السكني، خصوصاً في البيئات التي تعاني نقصاً في الوحدات الملائمة من حيث الكلفة.

كما أن وجود آلية مخصصة للإسكان الميسر قد يساعد على تخفيف الفجوة بين المشروعات الفاخرة واحتياجات السوق المحلية، وهو تحد شائع في الاقتصادات الخارجة من أزمات طويلة، حيث ترتفع تكلفة التطوير مقارنة بالقدرة الشرائية لشرائح واسعة من السكان.

المخاطر الاستثمارية والرهان على التعافي الاقتصادي

الاستثمار في سوريا لا يزال مرتبطاً بمستوى مرتفع من المخاطر، سواء على مستوى الأمن أو البنية التنظيمية أو قابلية التمويل. ومع ذلك، فإن اهتمام المستثمرين الإقليميين يعكس قناعة بأن بعض القطاعات، وفي مقدمتها العقار والسياحة والبنية التحتية، قد تكون من أكثر القطاعات قدرة على تحقيق عوائد إذا تحسنت البيئة العامة تدريجياً.

الرهان هنا يقوم على أن الطلب على التطوير العمراني والخدمات الحديثة موجود، وأن إعادة تنشيط المشروعات الكبيرة قد تخلق أثراً مضاعفاً في الاقتصاد المحلي. فكل مشروع من هذا النوع يحتاج إلى مواد بناء ومقاولين ومكاتب هندسية وعمالة وخدمات لوجستية وتمويل وتشغيل، وهو ما يعني سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به.

وفي الاقتصاديات التي تمر بمرحلة إعادة بناء، غالباً ما يُنظر إلى العقار والتشييد باعتبارهما بوابة أولى لتحريك القطاعات الأخرى، خصوصاً عندما تكون هناك حاجة إلى بنية تحتية حديثة ومساكن جديدة ومرافق تجارية وسياحية قادرة على جذب الاستهلاك والاستثمار معاً.

ماذا تعني هذه الخطط للسوق السورية؟

إذا انتقلت هذه الخطط من مرحلة الإعداد إلى التنفيذ، فقد تمثل إشارة مهمة إلى تحسن قابلية الاستثمار في السوق السورية، ولو بشكل تدريجي. كما أن دخول شركاء خليجيين وسوريين في هيكل تمويلي وإداري مشترك قد يفتح الباب أمام مشروعات أخرى في المستقبل، خاصة إذا أثبت النموذج قدرته على إدارة المخاطر وتحقيق عوائد مستقرة.

الأثر المحتمل لا يقتصر على العقار فقط، بل يمتد إلى قطاعات السياحة والتجزئة والخدمات والمهن الهندسية والتشغيلية. كذلك فإن تطوير مناطق جديدة وفق معايير عمرانية حديثة قد يساهم في تحسين المشهد الحضري وتوفير مساحات أكثر تنظيماً للأعمال والسكن والخدمات.

في المحصلة، تبدو هذه الخطط جزءاً من محاولة أوسع لإعادة طرح سوريا على خريطة الاستثمار الإقليمي عبر مشاريع كبيرة ذات طابع عمراني وسياحي وتجاري. ورغم أن التفاصيل التمويلية والتنظيمية ما زالت غير مكتملة، فإن حجم الطموح المطروح يشير إلى رغبة واضحة في تحويل التطوير العقاري إلى رافعة اقتصادية أوسع من مجرد بناء وحدات جديدة.