20-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الصين توسّع بوابة استيراد الغاز الروسي الخاضع للعقوبات عبر محطة لونغكو

تستعد الصين لفتح مسار استيراد ثانٍ لشحنات الغاز الطبيعي المسال من مشروع "آركتيك إل إن جي 2" الروسي، عبر محطة لونغكو في شاندونغ، في خطوة تمنح المشروع المتعثر منفذاً إضافياً وتكرّس اعتماد بكين على الغاز الروسي المخفّض الكلفة.

محطة جديدة تعيد رسم مسار شحنات الغاز الروسي

تستعد الصين لإضافة نقطة استقبال ثانية لشحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من مشروع آركتيك إل إن جي 2 الروسي، وهو مشروع خاضع لعقوبات غربية مشددة. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن محطة لونغكو في مقاطعة شاندونغ شرق البلاد أصبحت مهيأة لاستقبال هذه الشحنات، بعد أن ظل الاعتماد حتى الآن محصوراً تقريباً في منشأة واحدة.

هذه الخطوة لا تمثل مجرد توسعة تشغيلية داخل شبكة الاستيراد الصينية، بل تعكس أيضاً تشابكاً متزايداً بين احتياجات الطاقة في بكين والضغوط التي تواجهها موسكو في أسواق التصدير. فالمشروع الروسي البالغ قيمته نحو 21 مليار دولار يحتاج إلى منافذ جديدة لتصريف إنتاجه، فيما تبحث الصين عن مصادر إمداد مرنة وقريبة السعر في سوق عالمية شديدة التقلب.

ويُتوقع أن تمنح محطة لونغكو منفذاً إضافياً يخفف الضغط عن محطة بيههاي التي كانت البوابة الوحيدة المعروفة لتسلم شحنات المشروع حتى الآن.

دور بيههاي والرهان على منشأة ثانية

خلال الفترة الماضية، تلقت الصين شحنات آركتيك إل إن جي 2 عبر محطة بيههاي التابعة لشركة بايب تشاينا في مقاطعة قوانغشي. وكانت هذه المحطة قد استقبلت أول شحنة من المشروع في أغسطس 2025، ثم توالت إليها الإمدادات بوتيرة ثابتة، في وقت باتت فيه الصين المستورد الوحيد المعروف لهذه الشحنات الخاضعة للعقوبات.

وتشير البيانات المتاحة إلى أن بيههاي استقبلت 41 شحنة تعادل نحو 2.6 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال من المشروع الروسي، عبر وحدتي تخزين عائمتين داخل روسيا، إضافة إلى ثلاث شحنات من مشروع روسي آخر خاضع للعقوبات هو بورتوفايا.

ومع تزايد الكميات، ظهرت الحاجة إلى مسار إضافي. ووفق أحد المصادر، فإن الصين تحتاج إلى محطة أخرى لكي تستوعب مزيداً من الشحنات الخاضعة للعقوبات من دون التأثير على انسيابية التشغيل أو الاكتفاء بمرفق واحد شديد الازدحام.

لماذا تُعد لونغكو الخيار الأقرب

تبدو محطة لونغكو خياراً عملياً لعدة أسباب تشغيلية ولوجستية. فهي، مثل بيههاي، تُدار من قبل بايب تشاينا، كما تقع جغرافياً في موقع يساعدها على استقبال الشحنات الآتية من المنطقة الروسية البعيدة في الشرق الأقصى، حيث تُخزن شحنات آركتيك إل إن جي 2 وتُعاد عملية تحميلها.

وقال أحد التنفيذيين في قطاع الطاقة إن أعمال الإنشاء الميكانيكية في المحطة انتهت تقريباً، وإنها قد تصبح جاهزة قبل أكتوبر، بما يتوافق مع ذروة الطلب الشتوي. وتبلغ الطاقة السنوية للمرحلة الأولى في لونغكو نحو 5 ملايين طن، مقارنة بـ 6 ملايين طن في محطة بيههاي، ما يجعلها إضافة مهمة من حيث السعة وإن كانت أقل حجماً من المنشأة الأولى.

هذه المعطيات توحي بأن الصين لا تتحرك فقط لتوسيع طاقتها الاستيرادية، بل أيضاً لتوزيع المخاطر المرتبطة بتمرير شحنات مرتبطة بعقوبات دولية عبر أكثر من نقطة دخول.

أبعاد اقتصادية لموسكو وبكين

بالنسبة لروسيا، تمثل أي نافذة تصدير إضافية مكسباً واضحاً. فموسكو تواجه ضغوطاً متصاعدة على قطاع الطاقة مع تراجع مبيعات الغاز إلى أوروبا، وتزايد الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية، وتضييق العقوبات على المشاريع الجديدة. وفي هذا السياق، يوفر السوق الصيني شرياناً أساسياً يساعد على استمرار تدفق العائدات.

أما الصين، فهي أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، وقد اشترت 7.57 مليون طن من روسيا العام الماضي بحسب البيانات الجمركية الصينية. ويعني ذلك أن العلاقات في سوق الغاز لم تعد محكومة فقط باعتبارات السعر والعرض، بل أيضاً بقدرة البلدين على بناء مسارات تجارية بديلة تتجاوز القيود الغربية.

وتظهر هذه الديناميكية بوضوح في مشروع آركتيك إل إن جي 2، المصمّم لإنتاج 19.8 مليون طن متري سنوياً. فكل محطة إضافية في الصين لا تعني فقط استقبال شحنة جديدة، بل تعني كذلك تثبيت قناة تصدير لمشروع يحتاج إلى مشترين مستعدين لتحمل التعقيد السياسي والمالي المرتبط به.

انخفاض الأسعار واستراتيجية جذب المشترين

تشير البيانات المتداولة إلى أن شركة نوفاتك، المطورة للمشروع، لجأت إلى خفض أسعار الشحن بنسب تراوحت بين 30 و40 في المائة منذ أغسطس 2025 بهدف جذب المشترين الصينيين رغم العقوبات. ويكشف هذا التخفيض الكبير عن درجة الضغط التي تواجهها الشركة الروسية، وعن قابلية السوق الصينية للاستفادة من الخصومات المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية.

كما أفادت مصادر بأن شركة نوفاتك كثفت عمليات التوظيف في الصين، في إشارة إلى أن التوسع في التعامل مع السوق الصينية لا يقتصر على التجارة الفورية، بل قد يمتد إلى بناء حضور تشغيلي وتجاري أعمق داخل البلاد.

وفي موازاة ذلك، تُطرح أيضاً محطة داليان التابعة لبايب تشاينا باعتبارها خياراً محتملاً في المستقبل، ما يعني أن منظومة الاستقبال الصينية قد تتوسع أكثر إذا استمرت الحاجة إلى استيعاب شحنات إضافية من الغاز الروسي.

ما الذي تعنيه هذه الخطوة لسوق الطاقة العالمية

تُظهر التطورات الأخيرة أن تجارة الغاز الطبيعي المسال لم تعد منفصلة عن التوترات الجيوسياسية، بل أصبحت جزءاً من حسابات أوسع تتداخل فيها العقوبات، وأمن الإمدادات، والسياسات السعرية، وبنية الموانئ ومحطات الاستقبال. وفي هذه البيئة، قد تؤدي إضافة محطة ثانية في الصين إلى تحسين قدرة روسيا على تصريف إنتاجها، وفي الوقت نفسه تمنح بكين هامشاً أوسع للحصول على إمدادات بسعر أقل وربما بشروط تفاوضية أفضل.

لكن الأهم من ذلك أن الخطوة قد تشكل مؤشراً على اتجاه أوسع في سوق الطاقة: الدول الكبرى المشتريـة باتت أكثر ميلاً إلى تنويع بوابات الاستيراد، حتى عندما تكون الشحنات نفسها محاطة بالعقوبات أو الجدل السياسي. وفي مثل هذا السياق، تصبح البنية التحتية للغاز جزءاً من المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية، لا مجرد منظومة نقل وتخزين.

ومع اقتراب موسم الشتاء، سيُراقب المتعاملون ما إذا كانت لونغكو ستدخل الخدمة في الوقت المتوقع، وما إذا كانت ستتحول إلى مسار ثابت لشحنات آركتيك إل إن جي 2، أم إلى مجرد محطة إضافية ضمن شبكة أوسع من الترتيبات التي تعكس تغير خريطة تجارة الطاقة بين الصين وروسيا.