سجلت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال انخفاضاً للشهر الثالث على التوالي خلال يونيو الماضي، وفق بيانات صادرة عن رابطة مشغلي البنية التحتية للغاز في أوروبا، في إشارة إلى تراجع نسبي في الكميات التي تصل إلى شبكة النقل الأوروبية من محطات الاستيراد.
وبحسب البيانات، بلغت الكميات المسلّمة من محطات الغاز الطبيعي المسال إلى شبكة الغاز في الاتحاد الأوروبي نحو 10.2 مليار متر مكعب في يونيو، مقارنة بنحو 11.23 مليار متر مكعب في مايو، ما يعكس استمرار مسار هبوطي بدأ بعد ذروة سابقة في الربيع.
من مستوى قياسي في مارس إلى تراجع متتابع
شهدت أوروبا في مارس 2026 قفزة في واردات الغاز الطبيعي المسال بنسبة 10.6% على أساس شهري مقارنة بشهر فبراير، لتسجل مستوى قياسياً بلغ 13.6 مليار متر مكعب. لكن هذا الأداء القوي لم يستمر طويلاً، إذ بدأت الكميات المتدفقة إلى السوق الأوروبية بالتراجع في الأشهر التالية.
ففي أبريل 2026 انخفضت الأحجام بنسبة 7% مقارنة بمارس، ثم تراجعت في مايو بنسبة 11% مقارنة بأبريل، قبل أن تهبط مجدداً في يونيو بنسبة 9.2% مقارنة بمايو. وتوضح هذه السلسلة أن السوق الأوروبية انتقلت خلال الربع الثاني من العام من مرحلة الذروة إلى نمط أكثر هدوءاً في الطلب أو في وتيرة التوريد، أو كليهما معاً.
السياسات التنظيمية تعيد تشكيل السوق
يتزامن هذا التطور مع تنفيذ الاتحاد الأوروبي إجراءات جديدة تخص الواردات المرتبطة بالطاقة الروسية. ففي يناير الماضي، وافق مجلس الاتحاد الأوروبي على لائحة تنص على التخلي التدريجي عن واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي والغاز المنقول عبر الأنابيب، في إطار إعادة هيكلة مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على التدفقات التقليدية القادمة من روسيا.
وبموجب هذا الإطار، دخل حظر واردات الغاز الطبيعي المسال المرتبط بالعقود قصيرة الأجل حيز التنفيذ في 25 أبريل 2026، بينما من المقرر أن يبدأ تطبيق الحظر على العقود طويلة الأجل في 1 يناير 2027. وهذا يعني أن السوق الأوروبية تتحرك تدريجياً نحو مرحلة انتقالية قد تؤثر في مزيج الموردين، ومسارات الشحن، وآليات التسعير في الأشهر المقبلة.
قراءة في دلالات الانخفاض
لا يعني تراجع واردات الغاز الطبيعي المسال بالضرورة انخفاض الحاجة إلى الطاقة في أوروبا فقط، إذ يمكن أن يرتبط أيضاً بزيادة المخزونات، وتغير أسعار السوق الفورية، وتحسن الإمدادات من مصادر أخرى، أو إعادة ترتيب أولويات المشتريات بين الشركات المستوردة. كما أن التراجع المتتالي بعد مارس يشير إلى أن القفزة القياسية التي سجلتها القارة في بداية الربيع ربما كانت مدفوعة بعوامل استثنائية لم تستمر بالوتيرة نفسها.
ومن الناحية التجارية، تظل واردات الغاز الطبيعي المسال عنصراً محورياً في أمن الطاقة الأوروبي، خصوصاً مع التحولات التي يشهدها السوق منذ أعوام. لكن بيانات يونيو توحي بأن تدفقات الغاز إلى القارة دخلت مرحلة تصحيح بعد فترة من الارتفاع، وهو ما قد يمنح المتعاملين في السوق مؤشراً إضافياً على توازنات العرض والطلب خلال النصف الثاني من العام.
تأثيرات محتملة على تجارة الطاقة
استمرار انخفاض الواردات قد يعيد رسم خريطة المنافسة بين موردي الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، سواء من الولايات المتحدة أو قطر أو دول أخرى نشطة في السوق العالمية. كما أن أي تغير في أحجام الشحنات الأوروبية قد ينعكس على أسعار الشحن، والعقود الفورية، وتدفقات الإمداد في موانئ الاستقبال الأوروبية.
وفي الوقت نفسه، فإن القيود التنظيمية الجديدة المرتبطة بالغاز الروسي تضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى السوق. فالشركات الأوروبية ستحتاج إلى موازنة احتياجاتها التشغيلية مع الالتزامات القانونية الجديدة، وهو ما قد يزيد أهمية التخطيط المسبق، وتنويع الموردين، وتثبيت جزء أكبر من الإمدادات عبر عقود أطول أجلاً.
وتعكس الأرقام الأخيرة أن سوق الغاز في أوروبا ما زال في حالة إعادة توازن مستمرة، بين تقلبات الاستهلاك، وتغير المسارات التجارية، والتشريعات الجديدة التي تعيد تعريف علاقة الاتحاد بمصادر الطاقة الخارجية.