تراجع متوقع في الطلب العالمي على الغاز
تتجه أسواق الغاز الطبيعي العالمية إلى تسجيل أول هبوط سنوي جديد خلال السنوات الأخيرة، بعدما رجّحت وكالة الطاقة الدولية أن ينخفض الاستهلاك العالمي بنسبة 0.5% خلال العام الجاري، أي بنحو 20 مليار متر مكعب. ويعكس هذا التراجع مزيجاً من ارتفاع الأسعار وضعف الطلب في قطاعات رئيسية، إلى جانب اضطرابات إمداد مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج.
وبحسب تقديرات الوكالة، فإن الطلب على الغاز سيكون هذا العام أقل من مستواه السابق، ليصبح ثالث انخفاض سنوي خلال العقد الحالي، بعد موجتي التراجع اللتين شهدتهما السوق في 2020 و2022. ويشير ذلك إلى أن قطاع الغاز، رغم دوره المركزي في منظومة الطاقة العالمية، لا يزال شديد الحساسية لتقلبات الأسعار والممرات البحرية الحيوية.
الأسعار المرتفعة تغيّر أنماط الاستهلاك
ترى الوكالة أن العامل الأهم خلف هذا التراجع هو صعود الأسعار إلى مستويات دفعت شركات الكهرباء والمصانع إلى تقليص الاعتماد على الغاز أو التحول إلى بدائل أخرى. ففي أسواق عديدة، أصبح الغاز أقل تنافسية مقارنة بأنواع وقود أرخص، خصوصاً في قطاع توليد الكهرباء، حيث أدى ذلك إلى زيادة استخدام الفحم في بعض المناطق.
وفي آسيا، التي تعد من أكبر أسواق استيراد الغاز، تراجعت مستويات الاستهلاك بنحو 1% على أساس سنوي خلال النصف الأول من 2026. ويعكس هذا الانخفاض تحولاً جزئياً في مزيج الطاقة لدى المستهلكين الذين واجهوا كلفة أعلى للغاز الطبيعي المسال، ما دفعهم إلى البحث عن مصادر أقل كلفة ولو كانت أكثر انبعاثاً للكربون.
هذا التحول يبرز التناقض الذي تواجهه الحكومات والشركات: الحاجة إلى تأمين الطاقة من جهة، والضغط المتزايد على هوامش الربحية والميزانيات التشغيلية من جهة أخرى، في ظل سوق دولية لا تزال تتأثر بسرعة بأي اضطراب في الشحن أو الإنتاج.
مضيق هرمز يعيد مخاطر الإمدادات إلى الواجهة
جاءت هذه التوقعات في وقت تسببت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بانخفاض حاد في تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل الطاقة. ويمر عبر هذا المضيق عادة نحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر مباشر على الأسعار وسلاسل التوريد.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن التوترات الأخيرة أدت إلى تراجع ملحوظ في شحنات الغاز من المنطقة، خصوصاً من قطر والإمارات، حيث هبط الإنتاج بنحو 80% خلال الفترة من مارس إلى يونيو مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويعكس ذلك حجم التأثر السريع لسوق الغاز المسال عندما تتعرض طرق الإمداد لمخاطر أمنية.
وحذرت الوكالة من أنه إذا لم يُعاد فتح مضيق هرمز بشكل كامل قبل بداية الربع الرابع، فقد تسجل سوق الغاز الطبيعي المسال أول انخفاض سنوي في المعروض منذ عام 2012. وهذه الإشارة تكتسب أهمية خاصة لأن سوق الغاز المسال تعتمد بدرجة كبيرة على الثقة باستقرار النقل البحري وسهولة الوصول إلى الموانئ والممرات الاستراتيجية.
المعروض العالمي مرشح للاستقرار رغم الاضطرابات
على الرغم من الضغوط على جانب الإمداد، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبقى المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال خلال العام بأكمله قريباً من مستوى 2025 دون تغير يُذكر. ويعود ذلك إلى أن الزيادات الإنتاجية في بعض المناطق الأخرى قد تعوض جزئياً أثر الاضطرابات التي أصابت الخليج.
لكن هذا التوازن يبقى هشاً، لأن استقرار السوق لا يعتمد فقط على حجم الإنتاج، بل أيضاً على قدرة المنتجين على إيصال الغاز إلى المستهلكين من دون انقطاع. وفي بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية، يمكن لأي خلل جديد أن يبدل الصورة سريعاً، سواء عبر زيادة الأسعار أو إعادة ترتيب مسارات التجارة العالمية.
كما أن مستويات المخزون والقدرة على التكيف في الأسواق المستوردة ستلعب دوراً حاسماً في الأشهر المقبلة. فإذا ظلت تدفقات الغاز المسال مقيدة لفترة أطول، فقد تضطر بعض الدول إلى زيادة الاعتماد على الفحم أو النفط أو السحب من المخزونات الاستراتيجية لتغطية الطلب.
سوق الغاز بين التحول الهيكلي والصدمة المؤقتة
تكشف هذه التطورات عن أن سوق الغاز العالمية تمر بمرحلة معقدة تجمع بين ضغوط قصيرة الأجل وتحولات هيكلية أوسع. فمن ناحية، تدفع الأسعار المرتفعة والممرات المهددة إلى خفض الاستهلاك أو تأجيل الشحنات. ومن ناحية أخرى، لا تزال الاستثمارات في البنية التحتية للغاز المسال والمرونة اللوجستية تحدد قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات.
وفي حين يظل الغاز جزءاً أساسياً من التحول الطاقي في كثير من الاقتصادات، فإن البيانات الحالية تُظهر أن هذا الوقود ليس محصناً ضد تراجع الطلب عندما ترتفع الكلفة أو يتراجع الاستقرار في الإمدادات. لذلك، يبدو أن العام الجاري قد يشكل اختباراً جديداً للتوازن بين أمن الطاقة وكلفتها واستدامتها.
وفي المحصلة، يرسل تقرير وكالة الطاقة الدولية إشارة واضحة إلى أن سوق الغاز الطبيعي دخلت مرحلة أكثر تقلباً، حيث لم تعد الأسعار وحدها هي المحرك، بل باتت الجغرافيا السياسية والممرات البحرية والخيارات البديلة في توليد الكهرباء عوامل لا تقل أهمية في رسم اتجاهات الطلب العالمي.