حذّر بنك غولدمان ساكس من أن سوق النفط قد تواجه ضغطاً هبوطياً أكبر مما كان متوقعاً، بعدما أظهرت بيانات حديثة من الصين وأوروبا الغربية مؤشرات على ضعف الطلب على الوقود والمواد الأولية المرتبطة بالصناعة والبتروكيماويات.
وبحسب تقديرات البنك، فإن هذه الإشارات قد تعني وجود فجوة هبوطية تصل إلى نحو مليوني برميل يومياً مقارنة بتوقعاته المتحفظة بالفعل للطلب على النفط في أبريل 2026. وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد يضطر البنك إلى خفض توقعه لسعر خام برنت بنحو 10 دولارات للبرميل، مقارنة بمستوى 90 دولاراً للبرميل الذي رجّحه للربع الرابع من 2026.
مؤشرات الضعف تظهر في آسيا وأوروبا
أوضح البنك أن تباطؤ الطلب على المواد الأولية المستخدمة في صناعة البتروكيماويات، خصوصاً في أنحاء آسيا، ينعكس مباشرة على معدلات التشغيل في مصانع الإيثيلين وعلى أداء قطاع الكيماويات في الصين واليابان. كما أشار إلى أن الاستهلاك الهندي من النفتا وغاز البترول المسال هبط بنحو 150 ألف برميل يومياً في أبريل 2026 على أساس سنوي.
ويعني ذلك أن جانباً مهماً من الطلب الصناعي، لا سيما في الاقتصادات الآسيوية الكبرى، لم يعد يقدّم الدعم نفسه الذي كان يعوّل عليه السوق في السابق. وفي الوقت نفسه، لا تزال مؤشرات استهلاك وقود المركبات ضعيفة في الصين وعدد من الدول الأوروبية، رغم أن الطلب يبدو أكثر صلابة في الولايات المتحدة والهند.
الأسواق تراقب تأثير المخزونات والمخاطر الجيوسياسية
إلى جانب ضعف الطلب، لفت غولدمان ساكس إلى أن السوق أصبحت أكثر ميلاً إلى التفاؤل بشأن احتمال التوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التطور دفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم، في وقت تواصل فيه المخزونات المادية التراجع قبل أي عودة متوقعة لمرور الشحنات عبر مضيق هرمز.
ويعكس هذا المشهد تداخلاً بين عوامل الطلب والعوامل الجيوسياسية في تشكيل اتجاهات الأسعار. فبينما يمنح هدوء التوترات السياسية السوق بعض الاطمئنان، يبقى ضعف الاستهلاك الفعلي العامل الأكثر حسماً في تحديد المسار المتوسط الأجل للنفط.
لماذا يكتسب تقدير غولدمان ساكس أهمية أكبر؟
تكتسب قراءة غولدمان ساكس أهمية خاصة لأن البنك عادة ما يستند إلى مزيج من البيانات الاقتصادية ومؤشرات السوق المادية والتدفقات الاستثمارية عند بناء توقعاته. وعندما يشير إلى احتمال خفض سعر مستهدف للخام، فإن ذلك لا يعكس فقط تقلبات قصيرة الأجل، بل أيضاً قلقاً من أن النمو العالمي في الطلب قد لا يكون كافياً لموازنة المعروض.
كما أن التراجع في استهلاك وقود المركبات، مع ضعف الطلب الصناعي على المواد البتروكيماوية، يوضح أن الضغوط لا تقتصر على قطاع واحد. فالتباطؤ يمتد من المصانع إلى المستهلك النهائي، وهو ما قد يحد من قدرة أسعار النفط على الحفاظ على مستويات مرتفعة لفترة طويلة.
توازن هش بين العرض والطلب
السوق النفطية في هذه المرحلة تبدو عالقة بين عاملين متعارضين: من جهة، يوجد دعم نسبي من العوامل الجيوسياسية وتراجع المخزونات، ومن جهة أخرى، يبرز تباطؤ الطلب في أكثر من منطقة رئيسية. وإذا استمر هذا التوازن الهش، فقد تبقى الأسعار عرضة لتقلبات حادة مرتبطة بأرقام الاستهلاك والتطورات السياسية معاً.
وفي ضوء ما عرضه البنك، فإن المسألة لا تتعلق فقط بسعر خام برنت في الأشهر المقبلة، بل أيضاً بمدى قدرة الاقتصادات الكبرى على استعادة زخم الطلب على الوقود والمواد الأولية. وحتى الآن، تشير الإشارات القادمة من الصين وأوروبا إلى أن هذه العودة قد تكون أبطأ مما كان السوق يأمل.
المحصلة أن الضغوط الأساسية على النفط تبدو أقوى من السابق، وأن أي توقعات صعودية جديدة ستحتاج إلى تحسن واضح في بيانات الاستهلاك الصناعي والنقل قبل أن تجد دعماً مستداماً في السوق.