20-Jul-2026 6 دقائق قراءة

شركات عالمية تستغل طفرة الاكتتابات في الهند لتحويل المكاسب إلى مقارها الرئيسية

تشهد سوق الاكتتابات العامة في الهند موجة إدراجات لشركات أجنبية عبر صفقات بيع حصص قائمة، ما يتيح للمجموعات الأم تحويل مليارات الدولارات إلى مقارها الرئيسية بدل ضخ رؤوس أموال جديدة في السوق المحلية.

تشهد الهند واحدة من أكثر موجات الطرح العام الأولي نشاطاً في العالم، لكن جزءاً متزايداً من هذه الطروحات لا يهدف إلى جمع تمويل جديد للشركات العاملة في السوق المحلية، بل إلى تمكين المساهمين الأجانب من بيع حصصهم وتحويل العائدات إلى خارج البلاد.

وتشير البيانات الحديثة إلى أن معظم الشركات الأجنبية التي طرحت وحداتها الهندية في مومباي منذ بداية 2024 اختارت هيكلة الطرح على شكل بيع ثانوي للأسهم القائمة، وهو ما يعني أن الأموال الناتجة لا تدخل خزائن الشركات للتوسع أو الاستثمار، بل تذهب مباشرة إلى المساهمين الحاليين.

وبحسب البيانات المتاحة، لم تنجح سوى شركة واحدة من بين ست شركات أجنبية مدرجة في الهند خلال الفترة المذكورة في جمع أموال جديدة، بينما اعتمدت الشركات الأخرى على صفقات بيع حصص دون إصدار أسهم جديدة لتمويل النمو.

هذا النمط مكّن الشركات الأم من الحصول على ما يقارب 5 مليارات دولار من الطروحات المرتبطة بوحداتها الهندية، مع مساهمة كبيرة من شركات بارزة مثل هيونداي وإل جي، اللتين شكلتا معاً الحصة الأكبر من تلك العوائد.

وبلغة الأرقام، فإن كل دولار جرى جمعه فعلياً كتمويل جديد في هذه الطروحات ترافق معه خروج مبالغ أكبر بكثير عبر بيع الحصص القائمة، ما يعكس تحول السوق الهندية إلى منصة تسييل للأصول بالنسبة إلى بعض المجموعات العالمية.

الطرح العام في الهند يتحول إلى أداة تسييل

يرى مصرفيون ومستشارون قانونيون أن جاذبية السوق الهندية لا ترتبط فقط بالنمو الاقتصادي أو بعمق قاعدة المستثمرين المحليين، بل أيضاً بتقييمات السوق المرتفعة التي تسمح للشركات الأجنبية بالاستفادة من فرق التسعير بين وحداتها في الهند وشركاتها الأم في الخارج.

في العديد من الحالات، أصبحت عملية الإدراج في الهند وسيلة للحصول على سيولة فورية ورفع القيمة السوقية للمجموعة الأم، بدلاً من كونها خطوة لتوفير رأس مال محلي طويل الأجل.

ويظهر هذا بوضوح في الطروحات المرتقبة لوحدات هندية تابعة لشركات عالمية مثل وولمارت ومجموعة ميدرن تايمز، إذ من المتوقع أن تسلك صفقات البيع الثانوي الطريق نفسه، مع غياب خطط واضحة لضخ تمويل جديد في الأعمال الهندية.

كما أن شركات أخرى، بينها كوكاكولا وكارلسبرغ، أشارت إلى أن أي طرح محتمل في الهند قد يتضمن بيع جزء من الحصص القائمة، ما يعزز الاتجاه نفسه الذي بات سائداً في السوق.

ضغط على الروبية وسط تدفقات خارجة

تزامن هذا النشاط مع تراجع واضح في أداء الروبية الهندية أمام الدولار الأميركي، الأمر الذي أثار مخاوف من أن عمليات تحويل العائدات المرتبطة بالاكتتابات تزيد من الضغوط على العملة، إلى جانب موجات أخرى من خروج رؤوس الأموال الأجنبية.

وخلال الفترة منذ 2024، فقدت الروبية جزءاً ملحوظاً من قيمتها، بينما واصل المستثمرون الأجانب سحب استثماراتهم من الأسهم الهندية بمليارات الدولارات. هذا التزامن دفع بعض البنوك إلى الربط بين قوة سوق الاكتتابات وضعف العملة المحلية.

ويرى محللون أن الأثر السلبي لا يحدث بشكل صادم أو مفاجئ، لكنه يتراكم تدريجياً ويضيف ميلاً هبوطياً على الروبية، خاصة عندما تتزامن الطروحات الضخمة مع ارتفاع عمليات البيع من قبل المستثمرين الأجانب في السوق الثانوية.

ورغم هذه المخاوف، لا تبدو السلطات النقدية والتنظيمية في الهند مستعدة حالياً لفرض قيود مباشرة على هذا النوع من الطروحات، وهو ما يترك السوق مفتوحة أمام استمرار الاتجاه القائم.

التقييمات المرتفعة تعزز شهية البيع

العامل الحاسم في انتشار هذه الصفقات هو الفجوة الكبيرة في التقييمات. فالوحدات الهندية التابعة لشركات أجنبية تتداول في كثير من الحالات عند مضاعفات سعرية أعلى بكثير من مضاعفات الشركات الأم المدرجة في أسواقها الأصلية.

هذا الفارق يجعل الإدراج في الهند فرصة جذابة للمساهمين الراغبين في البيع عند مستويات مرتفعة، خاصة مع اتساع قاعدة المستثمرين المحليين وارتفاع الطلب على الأصول المالية الهندية خلال العامين الماضيين.

وتُظهر البيانات أن عدداً من الشركات الأجنبية المدرجة في الهند يتداول عند مضاعفات تفوق بشكل واضح شركاتها الأم. كما أن بعض الطروحات حققت عند الإدراج قيماً سوقية لافتة بالنسبة إلى شركاتها الأصلية، ما شجع المزيد من المجموعات على تبني النموذج نفسه.

وفي حالات مثل إل جي وهيونداي، أتاح الإدراج في الهند تقييماً مرتفعاً نسبياً مقارنة بحجم القيمة السوقية للشركة الأم، وهو ما جعل البيع الجزئي خياراً مالياً مغرياً.

ويقول محللون إن ما يجري يمكن وصفه بأنه استغلال ذكي لفجوة التسعير بين الأسواق، حيث تسعى الجهات المالكة للأصول إلى الاستفادة من الشهية الاستثمارية في الهند عبر إعادة هيكلة الملكية بدلاً من تمويل التوسع.

السوق الهندية تبقى من الأكبر عالمياً

رغم التحديات الأخيرة، ما تزال الهند من أكثر أسواق الطرح نشاطاً على مستوى العالم، بعد أن احتلت المرتبة الثانية عالمياً من حيث حصيلة الاكتتابات خلال 2025 خلف الولايات المتحدة.

وسجلت السوق الهندية مئات الإدراجات التي جمعت عشرات المليارات من الدولارات، كما يوجد حالياً عدد كبير من الطروحات بانتظار الموافقات التنظيمية، ما يشير إلى استمرار الزخم في الأمد القريب.

غير أن هذا الزخم لا ينعكس بالضرورة في تدفق رأس المال الجديد إلى الشركات المحلية، إذ إن جزءاً كبيراً من الصفقات الحالية يتم تصميمه بما يخدم أهداف المساهمين الحاليين أكثر من أهداف التوسع التشغيلي.

وهذا التحول يثير نقاشاً أوسع حول وظيفة الأسواق العامة: هل هي منصة لجمع التمويل طويل الأجل، أم قناة لتدوير القيمة بين الملاك والمستثمرين في ذروة التقييمات؟

في الحالة الهندية، يبدو أن الجواب الحالي يميل إلى الخيار الثاني، على الأقل في كثير من الطروحات المرتبطة بالشركات الأجنبية.

استثناءات محدودة بين الطروحات

مع ذلك، لا تتبع جميع الشركات المسار نفسه. فبعض الطروحات جرى تصميمها كحل وسط بين الحاجة إلى تمويل النمو ورغبة المساهمين في تحقيق جزء من السيولة.

ومن الأمثلة على ذلك وحدة التأمين التابعة لشركة بريطانية، التي جمعت جزءاً من الأموال الجديدة إلى جانب حصة أكبر من البيع الثانوي، في محاولة لتحقيق توازن بين احتياجات الشركة وخطط المالكين.

هذا النموذج المختلط قد يظل استثناءً أكثر منه قاعدة، لكنه يوضح أن هيكلة الطرح يمكن أن تعكس أهدافاً مختلفة تماماً بحسب ظروف كل شركة، ومدى حاجتها الفعلية إلى رأس مال جديد داخل السوق الهندية.

وفي المحصلة، تكشف الطروحات الأخيرة أن السوق الهندية باتت تمثل مزيجاً من فرص النمو وفرص التخارج، وأن الموجة الحالية من الاكتتابات لا تعني بالضرورة توسعاً جديداً بقدر ما تعني أحياناً إعادة توزيع للمكاسب بين الأسواق العالمية.