شهدت أسعار الذهب ارتداداً محدوداً، الثلاثاء، بعد خسائر حادة دفعت المعدن النفيس إلى أدنى مستوياته في أسبوعين، إذ فضّل المستثمرون التريث قبل صدور بيانات التضخم الأميركية لشهر يونيو، وهي بيانات يُنتظر أن تقدم مؤشراً أوضح على اتجاه السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة.
وجاءت حركة الذهب في وقت تتداخل فيه عدة عوامل في الأسواق، من بينها ارتفاع أسعار الطاقة وتنامي المخاوف الجيوسياسية، إلى جانب تزايد الرهانات على أن البنوك المركزية الكبرى قد تبقي تكاليف الاقتراض عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كان متوقعاً. ويؤدي هذا المزيج عادة إلى تعزيز التقلبات في أسواق المعادن النفيسة، خصوصاً أن الذهب لا يحقق عائداً دورياً، ما يجعله أكثر حساسية لمستويات الفائدة الحقيقية.
الذهب يلتقط أنفاسه بعد خسارة يومية كبيرة
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 4013.93 دولاراً للأوقية، بعدما كان قد لامس خلال الجلسة أدنى مستوى له منذ بداية يوليو. كما صعدت العقود الأميركية الآجلة تسليم أغسطس بنسبة 0.4 في المائة إلى 4020.80 دولاراً للأوقية.
وكان المعدن قد تعرض في الجلسة السابقة لضغوط قوية، إذ هبط بنحو 3 في المائة، في أكبر تراجع يومي له منذ أكثر من شهر. وجاء ذلك بالتزامن مع صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في شهر، نتيجة استمرار التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، ما أعاد مخاوف التضخم إلى الواجهة وأثر في شهية المستثمرين تجاه الأصول الدفاعية.
ويرى متعاملون أن الذهب ما زال يتحرك ضمن نطاق حساس، حيث يدفعه القلق من التضخم والجيوسياسة إلى الأعلى، بينما تكبحه في المقابل توقعات التشديد النقدي وارتفاع العائد على الأصول المنافسة.
بيانات التضخم محور اهتمام الأسواق
ينتظر المستثمرون صدور مؤشر أسعار المستهلكين الأميركي بحثاً عن إشارات جديدة حول مدى استمرار الضغوط السعرية في الاقتصاد الأكبر عالمياً. وتكتسب هذه القراءة أهمية مضاعفة لأنها قد تساعد الأسواق على استباق موقف الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعاته المقبلة، سواء من حيث تثبيت الفائدة أو التفكير في رفعها مرة أخرى.
كما يترقب المتعاملون هذا الأسبوع بيانات أسعار المنتجين، إلى جانب شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أمام الكونغرس. وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الأسواق الموازنة بين مؤشرات تباطؤ اقتصادي نسبي وبين احتمال بقاء التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.
وقال إيليا سبيفاك، رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في «تاستي لايف»، إن الأسواق تتجنب فتح مراكز كبيرة حالياً بسبب كثافة الأحداث المنتظرة، سواء على صعيد البيانات الاقتصادية أو التطورات في الشرق الأوسط. ويعكس هذا الحذر رغبة المستثمرين في تجنب الرهانات المبكرة قبل ظهور معطيات أوضح حول مسار الأسعار والفائدة.
أسعار الفائدة تعيد رسم جاذبية المعدن النفيس
الذهب يُنظر إليه تقليدياً كأداة تحوط ضد التضخم، لكن ارتفاع الفائدة يقلل من جاذبيته نسبياً، لأن الأصول التي توفر عائداً تصبح أكثر تنافسية عندما ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب. ومن هنا، فإن أي إشارة إلى بقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول قد تضغط على الأسعار، حتى لو ظل التضخم مصدر قلق للأسواق.
وفي هذا السياق، قال كريستوفر والر، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، إن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع الفائدة قريباً إذا أظهرت البيانات استمرار التضخم فوق المستويات المستهدفة. وأدت هذه الرسالة إلى تعزيز التوقعات بأن الفيدرالي لن يتردد في التحرك مجدداً إذا لم تتراجع الضغوط السعرية بالشكل المطلوب.
ووفقاً لتسعير الأسواق عبر أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 76 في المائة، مقارنة مع 57 في المائة قبل أسبوع واحد فقط. ويعكس هذا التحول السريع حساسية المستثمرين لأي بيانات قد تدعم سيناريو استمرار التشديد النقدي.
التوترات الجيوسياسية وأسعار النفط تضيفان بعداً آخر
لم تقتصر الضغوط على بيانات التضخم وحدها، بل زادت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران من حالة عدم اليقين. فقد رفعت المواجهة العسكرية والتوتر حول الممرات البحرية الحيوية أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج إذا استمرت الاضطرابات.
كما أن أي ارتفاع إضافي في الطاقة قد يغذي موجة تضخمية جديدة، ما يمنح الفيدرالي مبرراً إضافياً للإبقاء على لهجته المتشددة. ولهذا السبب تتفاعل أسواق الذهب حالياً مع أكثر من قناة واحدة: التضخم المباشر، والعوائد الحقيقية، وعلاوة المخاطر الجيوسياسية.
وفي أسواق المعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة بنسبة 0.1 في المائة إلى 57.60 دولاراً للأوقية بعد أن لامست أدنى مستوى لها في أسبوعين خلال الجلسة نفسها. كما هبط البلاتين بنسبة 0.5 في المائة إلى 1597.52 دولاراً، بينما ارتفع البلاديوم بنسبة 0.6 في المائة إلى 1254.82 دولاراً للأوقية.
قراءة أوسع لحركة السوق
تظهر التطورات الأخيرة أن المستثمرين يتعاملون مع الذهب بوصفه ملاذاً مشروطاً، لا ملاذاً مطلقاً. فكلما ارتفعت توقعات الفائدة، تقلصت قدرة الذهب على جذب السيولة، لكن أي تصعيد جيوسياسي أو مفاجأة تضخمية يدفع المتعاملين سريعاً إلى إعادة تسعير المخاطر.
وفي المدى القصير، ستبقى بيانات التضخم الأميركية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الذهب، بينما تظل أسواق الطاقة والتطورات السياسية في الشرق الأوسط عناصر داعمة للتقلب. وإذا جاءت الأرقام أعلى من المتوقع، فقد تتزايد الضغوط على الذهب مجدداً. أما إذا أظهرت تباطؤاً أو استقراراً في الأسعار، فقد يجد المعدن النفيس مساحة إضافية للتعافي.