مخزونات عند مستويات شديدة الانخفاض
تتحرك سوق وقود الطائرات في أوروبا ضمن بيئة شديدة الحساسية، بعدما هبطت المخزونات إلى مستويات تجعل القارة أقل قدرة على امتصاص أي اضطراب جديد في الإمدادات. ورغم أن القارة لجأت إلى واردات إضافية من الولايات المتحدة وآسيا، ورفعت بعض المصافي إنتاجها، فإن المعروض المتاح ما زال محدوداً مقارنة بحجم الطلب الموسمي، ولا سيما مع ذروة السفر الصيفي.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن أوروبا أصبحت أكثر الأسواق الرئيسية ضيقاً في مخزون وقود الطائرات، مع مستوى يغطي الطلب لفترة تقل عن شهر. هذا الهامش الزمني القصير يوضح مدى هشاشة الوضع، خاصة إذا تجددت أي اضطرابات في الشحنات العابرة للممرات البحرية الحيوية.
وتستند هذه الصورة إلى مزيج من عوامل هيكلية، في مقدمتها تراجع قدرات التكرير داخل القارة خلال العقود الماضية، ما جعل السوق الأوروبية تعتمد بدرجة أكبر على الاستيراد مقارنة بأسواق أخرى كأميركا الشمالية وآسيا والمحيط الهادئ.
الشرق الأوسط يبقى العامل الأكثر تأثيراً
لا تزال التوترات في الشرق الأوسط تلقي بظلال ثقيلة على سوق الوقود الأوروبي. فخلال الأشهر الماضية، اتجهت أوروبا إلى مصادر بديلة للحفاظ على التدفقات، بعد أن كانت تعتمد على المنطقة في نحو نصف وارداتها من وقود الطائرات قبل اندلاع الحرب في فبراير. ويظل مضيق هرمز نقطة القلق الأكبر، نظراً إلى دوره المحوري في عبور جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية.
ورغم أن الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران أتاح إعادة فتح المضيق جزئياً في يونيو، فإن عودة الضربات هذا الشهر أعادت المخاوف بشأن استقرار الإمدادات إلى الواجهة. وفي سوق تعتمد على سلاسل توريد دقيقة، يمكن لأي تعطّل في المرور البحري أن ينعكس سريعاً على الأسعار وعلى وفرة المنتجات المكررة.
وتُظهر بيانات الاستشارات المتخصصة أن أوروبا قد تواجه عجزاً في الإمدادات بنحو 600 ألف برميل يومياً في الربع الثالث، في حين يُتوقع تحقيق فائض في الولايات المتحدة ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. هذا الفارق الإقليمي يفسر لماذا تبدو السوق الأوروبية أكثر عرضة للضغط في الفترة المقبلة.
واردات بديلة وإنتاج محلي لدعم السوق
لتخفيف أثر النقص، كثفت أوروبا مشترياتها من الولايات المتحدة وكندا وكوريا الجنوبية والهند ونيجيريا والكويت، وهي مصادر لم تكن جميعها في السابق ضمن المورّدين الرئيسيين بالوتيرة نفسها. ووفق بيانات تتبع الشحنات، بلغت واردات أوروبا في يونيو أعلى مستوى لها منذ أكتوبر 2025، وهو ما يدل على محاولة واضحة لإعادة بناء الإمدادات عبر تنويع المصادر.
كما استفادت بعض الدول الأوروبية من زيادة إنتاج المصافي المحلية. ففي إيطاليا، ارتفع إنتاج وقود الطائرات خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام، فيما انخفضت الواردات، ما سمح بتغطية جزء كبير من الطلب محلياً خلال شهري مارس وأبريل. وتبرز هذه الاستجابة باعتبارها مثالاً على قدرة بعض الأسواق على تقليص الاعتماد على الخارج، ولو بشكل مؤقت.
لكن هذا التحسن لا يعني بالضرورة عودة الاستقرار الكامل. فالتوازن الحالي ما زال يعتمد على استمرار تدفق الشحنات من مناطق بعيدة، وعلى قدرة المصافي الأوروبية على الحفاظ على مستويات تشغيل مرتفعة، وهو أمر ليس مضموناً إذا استمرت التقلبات الجيوسياسية أو ارتفعت تكاليف النقل.
الأسعار تهدأ لكن الضغوط لم تنته
أسعار وقود الطائرات في شمال غربي أوروبا تراجعت بشكل ملحوظ مقارنة بمستوياتها المرتفعة في نهاية مارس، ما خفف الضغط المباشر على شركات الطيران. ومع ذلك، فإن انخفاض السعر لا يعني انتهاء المخاطر، لأن السوق ما زالت تعمل بهوامش ضيقة، وأي نقص جديد قد يعيد الأسعار إلى الارتفاع سريعاً.
وتأتي أهمية ذلك من أن الوقود يمثل عادة بين 20 و25 في المائة من كلفة التشغيل لدى شركات الطيران. لذلك، فإن تقلبات الأسعار تنعكس مباشرة على هوامش الربحية، وعلى قرارات جدولة الرحلات، بل وحتى على سياسة التسعير في بعض الحالات. وقد بدأت بعض الشركات بالفعل خفض عدد الرحلات أو إعادة ترتيب السعات الاستيعابية لضمان الاستخدام الأمثل للإمدادات المتاحة.
وفي الوقت نفسه، لا يتوقع محللون أن تنعكس هذه التطورات على أسعار التذاكر بصورة فورية. فالعوامل المؤثرة تشمل إلى جانب الوقود قوة الطلب الموسمي، وقيود السعة، وتكاليف التشغيل الأخرى، ما يجعل أي تخفيض للمستهلك النهائي أمراً بطيئاً وغير مضمون على المدى القريب.
موسم السفر يرفع الحساسية إلى مستوى أعلى
يأتي هذا الشح في المخزونات في توقيت حساس، مع اقتراب نهاية موسم العطلات الصيفية في أوروبا. وفي العادة، يرتفع استهلاك وقود الطائرات خلال هذه الفترة نتيجة زيادة حركة السفر، ما يضاعف تأثير أي نقص في المعروض. ولهذا، فإن المخزونات المحدودة لا تمثل مجرد رقم في تقارير السوق، بل عامل خطر تشغيلي لشركات الطيران والمطارات وموردي الخدمات اللوجستية.
وأقرت مؤسسات أوروبية بأن الوضع قد يزداد تعقيداً إذا لم تستمر وتيرة الإمدادات الحالية. كما أن اللجوء إلى الاحتياطيات الوطنية قد يوفر حلاً مؤقتاً، لكنه لا يعالج المشكلة البنيوية المرتبطة بالاعتماد على واردات خارجية ومخاطر الممرات البحرية. ومن هنا، تبدو القضية أبعد من كونها نقصاً مؤقتاً في سلعة محددة، إذ تكشف عن هشاشة أوسع في منظومة الطاقة المكررة داخل القارة.
وفي المدى القريب، سيظل سوق وقود الطائرات الأوروبي رهين ثلاثة عناصر رئيسية: استقرار الشرق الأوسط، واستمرار تدفق الواردات البديلة، وقدرة المصافي المحلية على الحفاظ على الإنتاج. وأي خلل في أحد هذه المحاور قد ينعكس بسرعة على الإمدادات، ثم على الأسعار، ثم على قطاع الطيران بأكمله.