إنفاق حكومي يعكس نضج البنية الرقمية
أظهرت بيانات حديثة أن السعودية واصلت خلال عام 2025 رفع استثماراتها في خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات المرتبطة بالخدمات الحكومية الرقمية، في خطوة تؤكد انتقال التحول الرقمي من مرحلة بناء البنية الأساسية إلى مرحلة تعميق الاستخدام وتحسين الكفاءة التشغيلية والمالية.
وبحسب التقرير، تجاوز الإنفاق الحكومي على هذا المسار 31.9 مليار ريال، أي نحو 8.5 مليار دولار، خلال العام الماضي. كما بلغت قيمة العقود الحكومية في المجال نفسه نحو 31.7 مليار ريال عبر أكثر من 6145 عقداً، ما يعكس اتساع نطاق المشاريع الرقمية وتنامي قدرة الجهات الحكومية على توجيه الإنفاق نحو مشاريع ذات أثر مباشر.
ويشير هذا الأداء إلى أن جزءاً كبيراً من مشاريع البنية التحتية الرقمية الأساسية قد اكتمل، الأمر الذي سمح بإعادة توجيه الموارد إلى تطوير الخدمات وتحسين التجربة الرقمية للمستفيدين، بدل التركيز فقط على التأسيس التقني.
الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في صدارة الأولويات
سجلت التقنيات المتقدمة نمواً واضحاً داخل الإنفاق الحكومي خلال العام، مع زيادة الإنفاق على الحوسبة السحابية بنسبة 42 في المائة مقارنة بعام 2024. ويعكس ذلك اتجاهاً متسارعاً نحو تبني نماذج أكثر مرونة في تشغيل الأنظمة الحكومية، بما يرفع القابلية للتوسع ويخفض بعض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل.
كما ارتفع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بنسبة 20 في المائة، وهو ما يشير إلى دخول هذه الأدوات مرحلة أكثر رسوخاً في بيئة العمل الحكومية. ويعني ذلك أن الاستخدام لم يعد مقتصراً على التجارب المحدودة، بل بات جزءاً من مسار أوسع يستهدف تحسين الاستجابة، ورفع جودة الخدمات، وتسريع المعالجة، وتعزيز التحليل التنبؤي داخل الجهات العامة.
ويأتي هذا التحول ضمن توجه أوسع ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز الاقتصاد الرقمي، ورفع كفاءة القطاع العام، وبناء منظومة تقنية قادرة على دعم التنافسية الإقليمية والدولية.
أثر اقتصادي مباشر وغير مباشر
لم يقتصر أثر هذا الإنفاق على تحسين الخدمات الحكومية، بل امتد ليولد قيمة اقتصادية ملموسة داخل الاقتصاد الوطني. ووفق التقرير، تجاوز الأثر الاقتصادي المباشر 9.5 مليار ريال، فيما بلغ الأثر غير المباشر 3.5 مليار ريال.
كما أسهمت هذه المشاريع في توفير أكثر من 7 آلاف وظيفة، في مؤشر على أن التحول الرقمي الحكومي أصبح قناة مهمة لتوليد الفرص في قطاعات التقنية والتشغيل والدعم والخدمات المرتبطة بها. وتبرز هذه الأرقام أهمية الإنفاق الحكومي الرقمي بوصفه محركاً مزدوجاً، يجمع بين تطوير الخدمة العامة وتحفيز النشاط الاقتصادي في الوقت نفسه.
ومن الجوانب اللافتة في التقرير ارتفاع نسبة المحتوى المحلي في مشتريات البرمجيات الحكومية إلى 49 في المائة، وهو مستوى يعكس تنامي اعتماد الجهات الحكومية على القدرات الوطنية في تنفيذ المشاريع التقنية، ويعزز انتقال المعرفة والخبرات إلى السوق المحلية.
دور متصاعد للمنشآت الصغيرة والمتوسطة
أظهر التقرير أيضاً أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة عززت حضورها في المنظومة الرقمية الحكومية خلال 2025، إذ ارتفعت مساهمتها في الإنفاق إلى 23 في المائة. وبلغت قيمة العقود الممنوحة لها نحو 9.23 مليار ريال، تمثل 29 في المائة من إجمالي قيمة العقود الحكومية في القطاع.
ويعكس هذا التطور اتساع قاعدة الموردين والمقاولين المحليين المشاركين في مشاريع الحكومة الرقمية، إلى جانب نجاح سياسات تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من دخول سوق المشاريع التقنية بشكل أوسع. كما يساهم ذلك في توزيع المنافع الاقتصادية بصورة أكثر شمولاً، ويدعم نمو الشركات المحلية في قطاعات البرمجيات والخدمات السحابية والتطبيقات والحلول المتكاملة.
ومن منظور الأعمال، يمثل هذا المسار فرصة لتوسيع سلاسل القيمة المحلية في الاقتصاد الرقمي، ورفع قدرة الشركات الوطنية على المنافسة في مشاريع أكبر وأكثر تعقيداً.
كفاءة الإنفاق عبر الاتفاقيات الإطارية الوطنية
في جانب إدارة المشتريات الحكومية، تجاوزت قيمة أوامر الشراء المنفذة عبر الاتفاقيات الإطارية الوطنية 5.16 مليار ريال خلال العام. واستفادت من هذه الآلية أكثر من 500 جهة حكومية و65 شركة، ما يشير إلى توسع استخدام أدوات الشراء الموحدة لتقليل التعقيد وتسريع الإجراءات.
وتعد الاتفاقيات الإطارية وسيلة مهمة لرفع كفاءة الإنفاق، لأنها تساعد على تقليل الوقت المستغرق في التعاقد، وتمنح الجهات الحكومية قدرة أكبر على الاستفادة من أسعار وشروط أكثر اتساقاً، إضافة إلى تحسين الشفافية التشغيلية. كما أن توحيد المشتريات يسهم في ضبط التكاليف وتحقيق وفورات مالية وتشغيلية تعود بالنفع على الميزانيات العامة.
ويبرز هنا دور التنسيق المؤسسي بين الجهات الحكومية كعامل أساسي في نجاح مسار التحول الرقمي، إذ لا يقتصر الأمر على شراء التقنية، بل يشمل أيضاً إدارة أفضل للطلب، وتوجيه الإنفاق نحو الأثر، وربط المشاريع الرقمية بأهداف الخدمة العامة.
من البنية التحتية إلى تحسين تجربة المستخدم
يرى التقرير أن التوسع المستمر في الإنفاق الرقمي بدأ ينعكس بشكل مباشر على تجربة المستفيدين من مواطنين ومقيمين وزوار، من خلال خدمات أكثر موثوقية وسهولة في الاستخدام، وأداء حكومي أكثر كفاءة. ويعني ذلك أن النجاح في هذه المرحلة يُقاس ليس فقط بحجم الاستثمار، بل أيضاً بسرعة الوصول إلى الخدمة وجودة التجربة النهائية.
كما يساهم هذا التحول في دعم الأداء الحكومي العام ورفع مستوى الجودة التشغيلية داخل المؤسسات، وهو ما يمنح المملكة مزيداً من القوة في المؤشرات الدولية الخاصة بالحكومة الرقمية والجاهزية التقنية. وتُظهر الأرقام أن السعودية تنتقل بثبات نحو نموذج حكومي أكثر اعتماداً على البيانات والمنصات السحابية والتقنيات الذكية، مع تركيز متزايد على الجدوى الاقتصادية والاستدامة التشغيلية.
ومع استمرار نمو الإنفاق وتوسع المشاركة المحلية، يبدو أن القطاع الحكومي الرقمي في السعودية يتجه إلى مرحلة أكثر نضجاً، تجمع بين الاستثمار التقني، وتعزيز المحتوى المحلي، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوليد أثر اقتصادي واسع يتجاوز حدود الخدمة العامة إلى الاقتصاد الوطني بأكمله.