تصاعد الخلاف إلى قطاع المدفوعات الرقمية
لم تعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والبرازيل محصورة في الرسوم الجمركية أو تجارة السلع التقليدية، بل امتدت إلى البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية. ففي قلب هذا الجدل برز نظام «بيكس» البرازيلي، الذي تديره السلطات النقدية في البلاد، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش المتصاعد حول من يملك السيطرة على مستقبل الدفع الرقمي.
وأدرج الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير النظام ضمن ما تعتبره واشنطن عوائق أمام التجارة، في خطوة استُخدمت لتبرير فرض رسوم جمركية جديدة بنسبة 25 في المائة على الواردات البرازيلية دخلت حيز التنفيذ هذا الأسبوع. ورغم أن مسؤولاً رفيعاً في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد أن الولايات المتحدة لا تطالب البرازيل بالتخلي عن النظام، فإن الاعتراض يتركز على ما تراه واشنطن معاملة تفضيلية لصيغة تشغيل مملوكة ومدارة من الحكومة.
هذا المسار يعكس بوضوح كيف تحولت أنظمة الدفع الفوري من أدوات تقنية محلية إلى ملفات سياسية وتجارية مرتبطة بالتنافس على أسواق التكنولوجيا المالية.
ما هو «بيكس» ولماذا توسع بسرعة؟
أطلق البنك المركزي البرازيلي نظام «بيكس» في عام 2020 بهدف تسهيل التحويلات الفورية بين الحسابات المصرفية عبر التطبيقات البنكية. ويتميز النظام بأنه مجاني للأفراد ومنخفض التكلفة للشركات، ما جعله بديلاً عملياً لجزء كبير من المدفوعات التي كانت تمر عبر شبكات البطاقات التقليدية.
وخلال خمس سنوات فقط، نجح النظام في التحول إلى وسيلة الدفع الأكثر استخداماً في البرازيل من حيث عدد العمليات. وتشير البيانات المتداولة إلى أنه يستحوذ حالياً على أكثر من نصف إجمالي المعاملات المالية من حيث العدد، مع وصول قاعدة مستخدميه إلى نحو 170 مليون شخص، أي ما يوازي نحو 80 في المائة من سكان البلاد.
والأهم من ذلك أن السلطات البرازيلية ترى في «بيكس» أداة للشمول المالي، إذ ساهم في إدخال أكثر من 70 مليون برازيلي إلى النظام المالي الرسمي عبر تشجيعهم على فتح حسابات مصرفية واستخدام خدمات الدفع الرقمي.
تحفظات أميركية تتعلق بالمنافسة لا بالتقنية
الانتقاد الأميركي لا يتمحور حول الفكرة التقنية للدفع الفوري بقدر ما يتركز على طريقة تنظيم النظام ودور الدولة فيه. فواشنطن ترى أن وجود نظام عام مدعوم من البنك المركزي قد يمنح أفضلية تنافسية على حساب الشركات الخاصة العاملة في مجال المدفوعات الإلكترونية، وعلى رأسها شبكات البطاقات العالمية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر المسؤولون الأميركيون أن «بيكس» قد يحد من فرص المنافسة المتكافئة في السوق البرازيلية. أما من الجانب البرازيلي، فتُرفض هذه المقاربة باعتبار أن النظام يمثل خدمة عامة مصممة لتقليل الاحتكاك في المدفوعات، تماماً كما تمثل البنية التحتية الأساسية عنصراً داعماً للسوق وليس بديلاً عنها.
ويؤكد محافظو البنك المركزي في البرازيل أن وظيفة «بيكس» لا تتمثل في منافسة شركات البطاقات، بل في توسيع الخيارات أمام المستهلكين والتجار، خاصة في الشرائح التي كانت تتحمل كلفة مرتفعة أو لا تملك وصولاً كافياً إلى الخدمات المصرفية.
نموذج محلي يتحول إلى مرجع دولي
لم يبق «بيكس» محصوراً داخل البرازيل. فخلال النصف الأول من العام الحالي، وقّع البنك المركزي البرازيلي اتفاقيات مع 65 مؤسسة مالية وبنكاً مركزياً في أنحاء العالم لتبادل الخبرات المرتبطة بالنظام. وشملت هذه الاتفاقيات اقتصادات متقدمة مثل ألمانيا وكندا، إلى جانب دول ناشئة من بينها جنوب أفريقيا وتركيا.
هذا الاتساع يعكس اهتماماً دولياً متزايداً بالنماذج التي تتيح المدفوعات الفورية بتكلفة منخفضة وبتجربة استخدام سهلة. وفي هذا السياق، يرى رئيس البنك المركزي البرازيلي غابرييل غاليبولو أن «بيكس» أصبح خدمة عامة تتجاوز منطق المنافسة التجارية التقليدية. وقد رد على الانتقادات الأميركية بتشبيه لافت، مفاده أن القول بأن إنشاء شبكة صرف صحي يضر بأصحاب شاحنات نقل المياه لا يعكس طبيعة البنية التحتية العامة.
وبالمعنى الاقتصادي، فإن القصة هنا لا تتعلق فقط بميزة تقنية، بل بقدرة دولة نامية على بناء منصة مالية واسعة الانتشار يمكن أن تتحول إلى معيار يُحتذى به خارج حدودها.
قلق متزايد لدى شركات البطاقات العالمية
الخلاف الحالي يسلط الضوء على القلق الذي يساور شركات بطاقات الائتمان الكبرى من توسع أنظمة المدفوعات الفورية التي ترعاها الحكومات. فقد أشارت شركتا «فيزا» و«ماستركارد» في تقارير موجهة للمستثمرين إلى أن شبكات مثل «بيكس» قد تمثل تحدياً لنموذج أعمالهما على المدى الطويل.
كما دعا مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات في واشنطن، الذي يضم شركات من بينها «فيزا» و«ماستركارد» و«ميتا»، السلطات الأميركية منذ سنوات إلى ضمان ما يسميه تكافؤ الفرص بين شركات المدفوعات الخاصة والنظام البرازيلي. ويرى المجلس أن الإطار التنظيمي ينبغي أن يكون محايداً بما يكفل المساواة بين مختلف مزودي خدمات الدفع.
ومع توسع الدفع الفوري عالمياً، يتزايد الجدل بشأن ما إذا كانت المنصات المدعومة حكومياً ستؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ في هذا القطاع لصالح البنى المحلية على حساب اللاعبين الدوليين التقليديين.
تأثير يتجاوز السوق البرازيلية
لا يتوقف أثر «بيكس» عند حدود الاقتصاد البرازيلي. فبعض الشركات الخاصة بدأت بالفعل تطوير حلول تسمح للبرازيليين باستخدام النظام أثناء السفر إلى الخارج، بما في ذلك الولايات المتحدة، كما أصبح بإمكان السياح الأجانب استخدامه داخل البرازيل. هذا التوسع يفتح الباب أمام نوع جديد من الترابط بين أنظمة الدفع الفوري في الأسواق المختلفة.
ويرى مراقبون أن ربط هذه الأنظمة مستقبلاً قد يقلل الاعتماد على شبكات الدفع التقليدية العابرة للحدود، وقد يمنح الاقتصادات الناشئة فرصة أكبر لبناء قنوات تسوية مالية أقل ارتباطاً بالدولار. وفي الوقت نفسه، يثير هذا السيناريو مخاوف لدى الأطراف التي تستفيد من الهيمنة الحالية للبنية المالية الدولية.
وقد ركزت واشنطن في انتقاداتها على نقطة أخرى تتعلق بهيكل الحوكمة، إذ يجمع البنك المركزي البرازيلي بين إدارة النظام وتنظيمه. ويُطرح هذا النموذج أحياناً في المقارنة مع الصين والهند، حيث تفصل السلطات هناك بين التشغيل والرقابة بصورة أوضح، وفقاً لما يشير إليه بعض المراقبين والمؤسسات الدولية.
«بيكس» يتحول إلى ملف سيادة رقمية
وفّر الجدل مع الولايات المتحدة للرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا مساحة للدفاع عن أحد أكثر المشاريع شعبية في بلاده، لا سيما لدى أصحاب المشروعات الصغيرة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي. وقد شدد لولا على أن النظام لن يتغير، وأنه سيبقى خدمة عامة مجانية.
وبهذا المعنى، تجاوز «بيكس» كونه مجرد أداة للدفع السريع، ليصبح رمزاً للسيادة الرقمية وأحد عناوين المنافسة بين الحكومات وشركات التكنولوجيا المالية العالمية. وبينما ترى فيه البرازيل إنجازاً في الشمول المالي والبنية التحتية الحديثة، تنظر إليه واشنطن باعتباره مثالاً على صعود نماذج تشغيل حكومية قد تعيد رسم خريطة المنافسة في الاقتصاد الرقمي الدولي.