تراجع ملحوظ في حركة الشراء
تشهد أسواق مدينة هرات في غرب أفغانستان تباطؤاً واضحاً في النشاط التجاري، بعد أن دفعت القيود الجديدة المفروضة على النساء كثيراً منهن إلى الابتعاد عن الأسواق والمحال العامة. ويقول أصحاب متاجر إن النساء كنّ يشكلن الشريحة الأكبر من الزبائن، وإن اختفاءهن النسبي من حركة التسوق انعكس مباشرة على المبيعات والإيرادات اليومية.
وبحسب تقديرات محلية نقلها تجار من المنطقة، فإن النشاط التجاري تراجع بنحو النصف في عدد من الأسواق، في مؤشر على أن الأثر لم يعد مقتصراً على السلوك الاجتماعي، بل امتد إلى الدورة الاقتصادية اليومية في المدينة.
قطاعات صغيرة تدفع الثمن
أصحاب المحال المتخصصة في الخياطة والأحذية كانوا من بين الأكثر تضرراً. ويؤكد رامين غفوري، وهو صاحب محل خياطة، أن الأسواق أصبحت شبه خالية من النساء منذ بدء الحملة. أما نظير أحمد عظيمي، صاحب متجر للأحذية، فيشير إلى أن النساء يمثلن نحو 90% من زبائنه، ما جعل أي تراجع في حضورهن ينعكس فوراً على حجم المبيعات.
هذا النمط من التراجع يوضح كيف أن الأسواق المحلية في مدن مثل هرات تعتمد على الإنفاق الاستهلاكي اليومي وعلى الحركة المستمرة بين الزبائن والبائعين، وهو ما يجعل أي قيود اجتماعية عاملاً مباشراً في إضعاف الطلب على السلع والخدمات.
النقل المحلي يتأثر أيضاً
لم يقتصر الأثر على المحال التجارية، بل طال قطاع النقل داخل المدينة. ويقول سائق العربة الصغيرة فرشيد كريمي إن دخله اليومي انخفض بنحو النصف بسبب تراجع تنقل النساء داخل هرات. ومع تقلص الرحلات القصيرة إلى الأسواق أو أماكن التعليم والتجمعات الاجتماعية، فقد جزء من سائقي النقل اليومي شريحة مهمة من العملاء.
وتُظهر هذه التطورات أن أي تغيير في سلوك المستهلكين لا ينعكس على التجارة فقط، بل يمتد إلى الخدمات المساندة التي تعتمد على الحركة اليومية داخل المدن، مثل النقل المحلي والخدمات المرتبطة بالتسوق.
الخوف يغيّر أنماط الاستهلاك
تقول نساء من هرات إنهن أصبحن يكتفين بالخروج للضرورة القصوى، خشية التعرض للتوقيف أو المساءلة المرتبطة بقواعد اللباس. ويؤكدن أن هذا الخوف دفع كثيرات إلى التخلي عن التسوق أو الدراسة أو اللقاءات الاجتماعية، وهو ما قلص بشكل واضح حركة النساء في الفضاء العام.
ومع اتساع هذا السلوك الحذر، تتراجع أيضاً الأنشطة الاقتصادية التي كانت تستند إلى وجود النساء في السوق، سواء كمستهلكات أو كطرف في سلسلة شراء الملابس والأحذية والسلع المنزلية. وهذا ما يجعل القيود الاجتماعية قضية اقتصادية بامتياز، لا مجرد ملف حقوقي أو أمني.
تكلفة اقتصادية أوسع على أفغانستان
منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، فُرضت قيود واسعة على مشاركة النساء في الحياة العامة، شملت التعليم والعمل والأنشطة الاجتماعية. وفي وقت سابق، حذرت الأمم المتحدة من أن استبعاد النساء من الحياة الاقتصادية قد يكلف الاقتصاد الأفغاني نحو مليار دولار سنوياً، في تقدير يعكس حجم الخسارة المحتملة من تقييد نصف القوة الشرائية والعملية في البلاد.
وفي هرات تحديداً، يرى أصحاب المهن أن استمرار هذه السياسة يهدد استقرار النشاط التجاري في مدينة كانت تُعرف تاريخياً بدورها الثقافي والتجاري. فكلما انخفضت حركة النساء في الأسواق، تقلصت الطلبات على المنتجات والخدمات، وتراجعت معها فرص العمل والدخل في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي.
أسواق هرات كمرآة للاقتصاد المحلي
تقدم هرات مثالاً واضحاً على الترابط بين السياسات الاجتماعية والنتائج الاقتصادية. فعندما يختفي جزء كبير من الزبائن من الأسواق، تتعرض سلاسل صغيرة متعددة للضغط في الوقت نفسه: المحال، والخياطون، وباعة الأحذية، وسائقو النقل، وغيرهم من العاملين في اقتصاد المدينة اليومي.
ويشير هذا المشهد إلى أن الركود الحالي ليس مجرد انخفاض مؤقت في المبيعات، بل قد يتحول إلى حالة أطول أمداً إذا استمرت القيود بالوتيرة نفسها. وفي اقتصاد هش أصلاً مثل الاقتصاد الأفغاني، يصبح أي تراجع في المشاركة الاقتصادية للنساء عاملاً مضاعفاً للضعف والجمود.
وبينما تحاول بعض الأسواق الصمود عبر تخفيض الأسعار أو تقليص التكاليف، يبقى السؤال الأهم هو قدرة الأنشطة التجارية المحلية على الاستمرار إذا بقيت شريحة واسعة من المستهلكين بعيدة عن الفضاء العام. في هرات، تبدو الإجابة مرتبطة إلى حد كبير بمدى استمرار هذه القيود واتساع أثرها على الحياة اليومية.