ضغوط مزدوجة على النحاس
تراجعت أسعار النحاس في جلسة الخميس مع اتساع المخاوف من أن يؤدي تصاعد التوتر في الشرق الأوسط إلى إبطاء النشاط الاقتصادي العالمي، في وقت قفزت فيه أسعار الطاقة وأصبحت التكاليف الصناعية أكثر عبئاً على المصانع والشركات. وجاء الهبوط في وقت يراقب فيه المستثمرون أثر الاضطرابات الجيوسياسية على سلاسل الإمداد والطلب على المعادن الصناعية.
وانخفض النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن بشكل ملحوظ، بعدما لامس في وقت سابق من الجلسة أدنى مستوى له منذ أسابيع. كما تراجع العقد الأكثر تداولاً في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، ليعكس حالة الحذر التي سيطرت على المتعاملين في أكبر سوقين للمعادن.
ويُنظر إلى النحاس على أنه من أكثر المعادن حساسية لآفاق النمو، لأنه يدخل في صناعات الكهرباء والبناء والتصنيع والتكنولوجيا. لذلك فإن أي إشارة إلى تباطؤ في الإنتاج أو الاستثمار أو الطلب الاستهلاكي تنعكس سريعاً على أسعاره.
النفط يصعد ويزيد العبء على الصناعة
جاء الضغط على النحاس في ظل ارتفاع النفط بعد تصاعد الهجمات الأميركية في المنطقة وتزايد المخاوف بشأن حركة الملاحة في مضيق هرمز. ويؤدي صعود النفط عادة إلى رفع تكاليف النقل والتصنيع والطاقة، ما يضغط على هوامش أرباح الشركات الصناعية ويقلل شهية المصانع لشراء المواد الخام.
هذا الترابط بين الطاقة والمعادن يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي تطور أمني في المنطقة. فكلما ارتفعت تكلفة التشغيل، زادت احتمالات تراجع النشاط الصناعي، وهو ما ينعكس مباشرة على الطلب على النحاس وغيره من المعادن الأساسية.
وفي هذا السياق، يرى متعاملون أن السوق بدأت تسعّر سيناريو يجمع بين تضخم أعلى ونمو أضعف، وهو مزيج عادة ما يكون سلبياً للأصول المرتبطة بالدورة الاقتصادية.
اختلاف مسارات المعادن الأساسية
لم يكن الأداء ضعيفاً لدى جميع المعادن. فقد أظهر الألمنيوم بعض المرونة، مستفيداً من محدودية المعروض واستقرار المخزونات في المستودعات المعتمدة لدى بورصة لندن للمعادن عند مستويات متدنية تاريخياً. ويُضاف إلى ذلك أن إنتاج الألمنيوم يستهلك كميات كبيرة من الطاقة، ما يجعل أسعار الكهرباء عاملاً حاسماً في تحديد اتجاهه.
وفي المقابل، تحركت معادن أخرى بصورة متباينة بين لندن وشنغهاي، إذ هبط الزنك والنيكل والقصدير في الجانبين تقريباً، بينما سجل الرصاص بعض المكاسب المحدودة. ويعكس هذا التباين غياب اتجاه واحد واضح، في ظل مزيج من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والنقدية.
كما أن الفروق بين أسواق المعادن لا تعكس فقط العرض والطلب، بل أيضاً توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية العالمية، وسعر الدولار، ونمط الاستهلاك في الصين، أكبر مستهلك للمعادن الصناعية في العالم.
التضخم الأميركي يعيد رهانات الفائدة إلى الواجهة
زاد صدور بيانات التضخم الأميركية من تعقيد المشهد، بعدما بقيت الأسعار أعلى كثيراً من هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حتى مع ظهور بعض الإشارات الأقل تشاؤماً من المتوقع. ورغم أن القراءة الأساسية جاءت أضعف من أسوأ السيناريوهات التي كان المستثمرون يستعدون لها، فإنها لم تُنه المخاوف من بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
ويؤثر ذلك مباشرة في أسواق السلع، لأن الفائدة المرتفعة تقوي الدولار وتزيد كلفة التمويل وتضغط على شهية المخاطرة. كما أن التوقعات المرتبطة برفع إضافي للفائدة في الولايات المتحدة تعزز حذر المستثمرين من الأصول الحساسة للنمو، ومنها النحاس.
في الوقت نفسه، بقيت عقود الأموال الفيدرالية تعكس احتمالات قائمة لخطوة تشديد إضافية لاحقاً هذا العام، ما أبقى الأسواق في حالة ترقب لبيانات التضخم المقبلة وتعليقات مسؤولي السياسة النقدية.
أسواق السندات في أوروبا تلتقط الإشارة
في أوروبا، ارتفعت عوائد السندات الحكومية بشكل طفيف مع اقتراب البنك المركزي الأوروبي من قرار جديد بشأن أسعار الفائدة. وتوقع المستثمرون أن يرفع البنك الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، في محاولة للسيطرة على التضخم الذي ظل فوق المستوى المستهدف.
ويرى محللون أن ارتفاع تكاليف الطاقة بسبب التوترات الحالية قد يدفع البنك المركزي الأوروبي إلى تبني نبرة أكثر تشدداً، حتى لو كانت وتيرة النمو الاقتصادي ضعيفة. فالمعادلة هناك صارت أكثر صعوبة: تضخم مستمر من جهة، ونشاط اقتصادي هش من جهة أخرى.
وقد انعكس ذلك على عوائد السندات الألمانية والإيطالية، التي تحركت صعوداً مع اقتراب المستثمرين من سيناريو استمرار التشديد النقدي خلال الأشهر المقبلة.
العملة الهندية تحت ضغط النفط والدولار
لم تقتصر التداعيات على المعادن والسندات الأوروبية، بل امتدت إلى أسواق العملات في آسيا. فقد واصلت الروبية الهندية تراجعها مع زيادة الطلب على الدولار من شركات النفط، ومع تأثر الأسواق الإقليمية بموجة القلق المرتبطة بالشرق الأوسط.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للهند، التي تستورد جزءاً كبيراً من احتياجاتها من الطاقة. فكل ارتفاع في أسعار النفط يوسع العجز الخارجي ويضغط على العملة المحلية، ويزيد في المقابل كلفة الواردات الصناعية والسلع الأساسية.
كما أن التراجع المستمر للروبية قد يدفع البنك المركزي الهندي والحكومة إلى تعزيز الإجراءات الداعمة لتدفقات رأس المال، في محاولة للحد من الضغوط على الأسواق المالية والاستقرار النقدي.
ما الذي يعنيه ذلك لأسواق السلع؟
المشهد الحالي يضع أسواق السلع أمام اختبار صعب. فإذا استمرت أسعار النفط مرتفعة، وواصلت البنوك المركزية التمسك بمسار نقدي متشدد، فقد تبقى المعادن الصناعية تحت ضغط إضافي. أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية وعادت الإمدادات إلى وضع أكثر استقراراً، فقد تجد المعادن دعماً من تحسن التوقعات الاقتصادية.
وفي كل الأحوال، يبقى النحاس من أكثر الأصول التي تكشف اتجاه الاقتصاد الحقيقي. فهو لا يتحرك فقط مع المضاربات قصيرة الأجل، بل يعكس أيضاً مستوى الثقة في الصناعة والبناء والطاقة والتحول الرقمي والبنية التحتية.
لذلك فإن أي ارتداد في الأسعار لن يعتمد على التطورات الأمنية وحدها، بل على قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة الطاقة دون الدخول في مرحلة تباطؤ أعمق. وحتى تتضح الصورة، يبدو أن النحاس سيظل حسّاساً لكل خبر يتعلق بالنمو، والتضخم، والسياسة النقدية، وإمدادات النفط.