23-Jul-2026 5 دقائق قراءة

البنك الوطني السويسري يحذّر من ضغط الشرق الأوسط على الفرنك ويؤكد جاهزيته للتدخل

حذّر البنك الوطني السويسري من أن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط قد يدفع الفرنك إلى مزيد من الارتفاع، ما قد يضر باستقرار الأسعار والنمو. وأكد البنك أنه مستعد للتدخل في سوق الصرف إذا تطلب الأمر، في وقت يبقى فيه التضخم قريباً من الحد الأدنى للنطاق المستهدف.

الشرق الأوسط يضيف عاملاً جديداً إلى حسابات السياسة النقدية في سويسرا

أظهر محضر الاجتماع الأخير للبنك الوطني السويسري أن صانعي السياسة النقدية في برن ينظرون بجدية إلى تأثير التوترات الجيوسياسية على أسواق العملات، ولا سيما على الفرنك السويسري الذي يُعد من أكثر العملات جذباً للمستثمرين في أوقات الاضطراب. وبحسب المحضر، فإن اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط قد يدفع العملة السويسرية إلى مزيد من الارتفاع، وهو ما قد يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد المحلي.

ويعكس هذا التقييم قلقاً متزايداً من أن تدفقات الملاذ الآمن قد تتسارع كلما زادت المخاطر في المنطقة، الأمر الذي يرفع الطلب على الفرنك ويؤثر في القدرة التنافسية للصادرات السويسرية. لذلك شدد البنك على أن أدواته لا تزال جاهزة، بما في ذلك التدخل في سوق الصرف الأجنبي إذا اقتضت الظروف ذلك.

الفائدة تبقى عند الصفر وسط تضخم محدود

كان البنك الوطني السويسري قد أبقى سعر الفائدة الأساسي دون تغيير عند 0 في المائة خلال يونيو، في إشارة إلى ثقته بأن مسار التضخم لا يزال منضبطاً إلى حد كبير. ووفقاً للمحضر، فإن الارتفاع الأخير في الأسعار كان مدفوعاً بدرجة أساسية بزيادة تكاليف الطاقة والوقود المرتبطة بتطورات الحرب الإيرانية، غير أن البنك لا يرى حتى الآن تحولاً جوهرياً في اتجاه التضخم متوسط الأجل.

وفي يونيو، تراجع معدل التضخم السنوي في سويسرا إلى 0.5 في المائة، أي بانخفاض طفيف مقداره عُشر نقطة مئوية مقارنة بالشهر السابق. وبذلك بقي التضخم قريباً من الحد الأدنى للنطاق المستهدف الذي يعتمده البنك، والممتد من 0 إلى 2 في المائة، وهو ما يمنحه مساحة لمواصلة نهج الحذر بدل التشديد السريع.

مخاطر الطاقة والملاحة ترفع مستوى عدم اليقين

يرى البنك أن المسار القادم للتضخم والنمو بات مرتبطاً بشكل أوضح بتطورات الشرق الأوسط، ولا سيما أي اضطراب طويل في حركة الشحن عبر مضيق هرمز. فتعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي لفترة ممتدة قد يرفع أسعار الطاقة ويزيد الضغوط على سلاسل الإمداد، وهو ما قد ينعكس في شكل نمو أضعف وتضخم أعلى من المتوقع.

وبالنسبة إلى اقتصاد صغير ومنفتح مثل الاقتصاد السويسري، فإن أي صدمة في أسعار الطاقة أو الشحن تنعكس سريعاً على توقعات المستهلكين والشركات وعلى قرارات الاستثمار والإنفاق. ولهذا السبب يشدد البنك على أن مستوى عدم اليقين ما زال مرتفعاً، وأنه يراقب التطورات العالمية بصورة لصيقة.

لماذا يراقب البنك قوة الفرنك بهذا القدر؟

تاريخياً، يمثل الفرنك السويسري عملة قوية تلجأ إليها الأسواق في فترات التوتر، لكن قوة العملة ليست دائماً خبراً جيداً للاقتصاد المحلي. فعندما يرتفع الفرنك بسرعة كبيرة، تصبح الصادرات السويسرية أكثر كلفة في الأسواق الخارجية، ما قد يضغط على الشركات الصناعية والقطاع السياحي ويقلص العائدات المحققة من الخارج.

كما أن ارتفاع العملة قد يؤدي إلى كبح التضخم أكثر من اللازم، وهو ما يقلص هامش المناورة أمام البنك المركزي في وقت لا تزال فيه الأسعار قريبة من الحد الأدنى للنطاق المستهدف. ولهذا يرى البنك أن الاستعداد للتدخل في السوق ليس خياراً استثنائياً، بل جزء من إدارة المخاطر المرتبطة بتقلبات العملة.

التدخل في سوق الصرف يظل أداة مفتوحة

أوضح المحضر أن البنك الوطني السويسري لا يستبعد استخدام سوق الصرف الأجنبي إذا شهد الفرنك ارتفاعاً سريعاً ومفرطاً. ويأتي هذا التوجه في إطار حماية استقرار الأسعار، إذ إن قوة العملة المبالغ فيها قد تضغط على الواردات وعلى تسعير المنتجات المصدرة، وتخلق اختلالاً في التوازن بين التضخم والنمو.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن البنك يستعد لتدخل فوري، لكنه يبعث برسالة واضحة إلى الأسواق مفادها أن السياسة النقدية السويسرية لن تقف متفرجة إذا تحولت الأزمة الجيوسياسية إلى موجة ارتفاع حادة في قيمة الفرنك. وهذه الرسالة بحد ذاتها قد تحد من المضاربة على العملة وتخفف من سرعة التحرك في السوق.

توازن دقيق بين الاستقرار السعري ومخاطر النمو

تجد سويسرا نفسها أمام معادلة دقيقة: تضخم منخفض يسمح بالمرونة، لكنه في الوقت نفسه يجعل الاقتصاد أكثر حساسية لأي صدمة خارجية ترفع العملة أو الطاقة أو كليهما معاً. وفي مثل هذه البيئة، يصبح دور البنك المركزي هو الموازنة بين منع ارتفاع الفرنك بشكل مفرط والحفاظ على توقعات التضخم ضمن نطاق مستقر.

وتظهر من محضر الاجتماع نبرة حذرة لا تميل إلى التخفيف السريع للقيود ولا إلى التشديد الاستباقي. فالبنك يقر بأن الضغوط الصعودية على الأسعار قد تكون مؤقتة إذا استقر الوضع، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات أسوأ في حال استمر التوتر الإقليمي أو اتسعت آثاره على أسواق الطاقة والنقل.

الرسالة إلى الأسواق: اليقظة قبل التحرك

في المحصلة، يرسل البنك الوطني السويسري إشارة مفادها أن استقرار الاقتصاد السويسري لا يزال مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات خارجية لا يملك السيطرة عليها. وبينما يبقى التضخم الحالي منخفضاً نسبياً، فإن أي ارتفاع سريع في الفرنك قد يفرض على البنك إعادة استخدام أدواته الدفاعية لحماية الأسعار والنشاط الاقتصادي.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأساسية هي أن الفرنك قد يظل حساساً لأي تصعيد جديد في الشرق الأوسط، وأن السياسة النقدية السويسرية ستبقى مستعدة للتدخل إذا بدأت تحركات العملة تهدد التوازن الذي يعتمد عليه الاقتصاد المحلي.