الشرق الأوسط يدخل سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
يتجه الشرق الأوسط إلى موقع أكثر مركزية في خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي، مع تصاعد الاهتمام بمراكز البيانات بوصفها العمود الفقري لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية. ويشير تقرير حديث إلى أن المنطقة تمتلك مزيجاً من العوامل التي قد تجعلها من أكبر المستفيدين من دورة التوسع المقبلة في هذا القطاع، ولا سيما مع وفرة الطاقة وتقدم خطط التحول الرقمي واتساع الطلب على السعة الحاسوبية.
وبحسب التقرير، فإن مراكز البيانات لم تعد منشآت تقنية هامشية، بل أصبحت أصولاً استراتيجية ترتبط مباشرة بالإنتاجية الرقمية، وتحليل البيانات، وتشغيل النماذج الذكية. وفي هذا السياق، تتقدم السعودية والإمارات إلى واجهة المشهد الإقليمي، مع دخول دول أخرى مثل عُمان وقطر والكويت ومصر والأردن والعراق في مسارات مختلفة لتعزيز جاهزيتها الرقمية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتسارع فيه الحاجة العالمية إلى قدرات جديدة لتخزين البيانات ومعالجتها، فيما تواجه أسواق تقليدية قيوداً تتصل بالطاقة والشبكات الكهربائية والتكلفة التنظيمية، ما يمنح المنطقة فرصة أكبر لالتقاط الاستثمارات العابرة للحدود.
السعودية في موقع متقدم داخل السوق الإقليمية
يرى التقرير أن السعودية تشغل موقعاً متقدماً في سباق مراكز البيانات الإقليمية، مستفيدة من حجم اقتصادها، وتوافر الطاقة، وسرعة تنفيذ المشاريع الكبرى، إضافة إلى تركيز واضح من الجهات المعنية على تحويل البنية الرقمية إلى رافعة اقتصادية جديدة.
وتبرز المملكة أيضاً بوصفها الدولة الخليجية الأكبر من حيث عدد السكان والاقتصاد، وهو عامل يرفع الطلب المحلي على خدمات الحوسبة السحابية والتخزين والتحليل المتقدم. كما أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة على الربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يعزز جاذبيتها كمركز إقليمي للبيانات العابرة للحدود.
ووفقاً للتقديرات الواردة في التقرير، يبلغ استهلاك مراكز البيانات في السعودية نحو 440 ميغاواط، في حين يبلغ في الإمارات نحو 340 ميغاواط، وسط تقدير بأن السعودية والإمارات تستحوذان معاً على نحو 80 في المائة من إجمالي استهلاك مراكز البيانات في المنطقة، الذي يقترب حالياً من غيغاواط واحد. هذه الأرقام تعكس أن السوق ما زالت في مرحلة نمو مبكر نسبياً، لكنها تتحرك بسرعة نحو مزيد من التوسع.
الطاقة العامل الحاسم في سباق الذكاء الاصطناعي
يشدد التقرير على أن الطاقة هي العنصر الأكثر تأثيراً في تحديد وجهة استثمارات الذكاء الاصطناعي، قبل الرقائق أو التمويل أو حتى البرمجيات نفسها. فكل نموذج ذكاء اصطناعي يحتاج إلى تشغيل فعلي داخل مركز بيانات، وكل مركز بيانات يحتاج إلى إمدادات كهربائية مستقرة وواسعة النطاق، إلى جانب شبكات تبريد واتصال موثوقة.
ويضع هذا الواقع الشرق الأوسط في موقع مختلف عن أسواق متقدمة تواجه ضغطاً كبيراً على شبكات الكهرباء أو صعوبات في تخصيص الطاقة لمشاريع رقمية ضخمة. ويشير التقرير إلى أن مراكز البيانات تستهلك حالياً نحو 2 في المائة من الكهرباء العالمية، مع توقعات بارتفاع هذا الاستهلاك مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من البنية التحتية المتاحة.
ومن هنا، تصبح قدرة الدول على توفير طاقة قابلة للتوسع، ومنخفضة الكلفة نسبياً، ومسنودة ببيئة تنظيمية مستقرة، عاملاً فاصلاً في المنافسة. ويُنظر إلى السعودية، في هذا الإطار، على أنها من أكثر الأسواق قدرة على الجمع بين هذه العناصر، إلى جانب امتلاكها برامج وطنية طموحة تدفع نحو اقتصاد قائم على البيانات.
مشاريع ومنصات تعزز الجاهزية الرقمية
يرتبط صعود السعودية في هذا الملف بعدد من المبادرات والمشاريع التي تهدف إلى بناء منظومة متكاملة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي. ومن بين أبرز هذه المبادرات مشاريع مرتبطة بالشركات الوطنية ومؤسسات الاستثمار، إلى جانب توسع شركات تشغيل مراكز البيانات والاتصالات في إنشاء قدرات جديدة داخل المملكة.
كما يشير التقرير إلى أن بعض هذه المشاريع لا يقتصر على مراكز البيانات متوسطة أو صغيرة الحجم، بل يمتد إلى التفكير في منشآت ضخمة قادرة على خدمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي من الجيل التالي. وهذا النوع من المنشآت يتطلب استثمارات كبيرة، لكنه في المقابل يفتح الباب أمام خلق قيمة اقتصادية أوسع تشمل خدمات الحوسبة، والتخزين، وربط الشبكات، وإدارة البيانات، وتقديم حلول أعمال متقدمة.
وتتوافق هذه التحركات مع توجه أوسع في السعودية نحو بناء اقتصاد رقمي أكثر تنوعاً، يعتمد على الأصول التقنية عالية القيمة، ويستفيد من موقع المملكة كبوابة إقليمية للأسواق المحيطة. وفي هذا الإطار، تصبح مراكز البيانات ليست مجرد بنية تحتية، بل جزءاً من استراتيجية اقتصادية تتقاطع فيها الطاقة والاستثمار والتقنية.
الشرق الأوسط كمصدر جديد لـ«النفط الرقمي»
يطرح التقرير فكرة أن المنطقة قد تتحول من مصدر عالمي للطاقة التقليدية إلى مصدر مهم لـ«البيانات» بوصفها المورد الاستراتيجي الجديد للاقتصاد العالمي. فكما غذّى النفط الصناعات والنقل في القرن الماضي، أصبحت البيانات اليوم وقوداً أساسياً للذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والاقتصاد القائم على المعرفة.
ويستند هذا التحول إلى مجموعة من السمات التي يمتلكها الشرق الأوسط، مثل توافر الطاقة، والقدرة المالية، والموقع الجغرافي، وسرعة اتخاذ القرار في بعض الأسواق، وهي عناصر تجعل المنطقة مؤهلة لجذب الشركات العالمية التي تبحث عن مواقع قابلة للتوسع السريع ومستعدة لاستيعاب الطلب المتزايد على الحوسبة.
لكن التقرير يلفت أيضاً إلى أن المنافسة الإقليمية لم تُحسم بعد، إذ تعمل دول عدة على تطوير مشاريع رقمية متقدمة، بما في ذلك مشاريع طموحة في عُمان والإمارات ومصر والأردن والعراق، ما يعني أن السوق تتجه إلى مزيد من التنافس على جذب المستثمرين ومشغلي البنية التحتية الرقمية.
التحديات الجيوسياسية والتنظيمية ما زالت قائمة
رغم الفرص الكبيرة، يشير التقرير إلى أن التوترات الجيوسياسية تمثل أحد أبرز التحديات أمام توسع الاستثمارات في قطاع مراكز البيانات داخل المنطقة. فالمستثمرون في هذا النوع من الأصول طويلة الأجل يضعون الاستقرار السياسي والأمني في مقدمة اعتباراتهم، إلى جانب وضوح القواعد التنظيمية المتعلقة بحركة البيانات والملكية والتشغيل.
كما يبرز عامل آخر لا يقل أهمية، وهو التكامل التنظيمي بين الدول العربية، ولا سيما في ما يتعلق بمعايير مراكز البيانات، وقواعد نقل البيانات عبر الحدود، وأطر الحوكمة التي تضمن ثقة المستخدمين والمستثمرين في الوقت نفسه. ويرى التقرير أن تحسين هذا الجانب قد يحول المنطقة إلى كتلة اقتصادية رقمية أكثر قدرة على المنافسة عالمياً.
وفي المقابل، تبقى الأسواق التي تعاني من نقص الطاقة أو قيود الشبكات أقل قدرة على استيعاب موجة التوسع المقبلة. ولهذا السبب، يبدو أن الدول التي تمتلك احتياطيات طاقة واسعة، ونماذج حوكمة أكثر مرونة، واستراتيجيات واضحة للتحول الرقمي، ستكون الأكثر استفادة من الطفرة القادمة في الذكاء الاصطناعي.
آفاق 2034 وما بعدها
يربط التقرير بين الطموحات الحالية وخطط بعيدة المدى، خصوصاً في السعودية التي تستهدف رفع قدراتها في مجال مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى مستويات كبيرة بحلول عام 2034. ويعكس ذلك انتقالاً من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء سوق متكاملة، تتداخل فيها الطاقة والاتصالات والبرمجيات والاستثمار الصناعي.
ومع استمرار نمو الطلب العالمي على الذكاء الاصطناعي، يرجح التقرير أن تصبح القدرة على توفير الطاقة والبنية الرقمية عاملاً حاسماً في تحديد الفائزين في هذه المنافسة. وفي هذا المشهد، تبدو السعودية والشرق الأوسط عموماً في موقع يسمح لهما بالتحول من مستوردين للتقنية إلى شركاء رئيسيين في تشغيلها وتطويرها واستضافة بنيتها الأساسية.
وبينما تتوسع الحاجة إلى مراكز البيانات في مختلف الاقتصادات، تزداد قيمة المناطق القادرة على الجمع بين الطاقة الجاهزة والبنية التحتية المتقدمة والبيئة الاستثمارية الواضحة. ومن هذه الزاوية، فإن صعود الشرق الأوسط في الاقتصاد الرقمي لم يعد احتمالاً بعيداً، بل مساراً يتشكل بالفعل على أرض الواقع.