11-Sep-2026 5 دقائق قراءة

من 45.3 مليار دولار إلى السجن المؤبد: انهيار إمبراطورية «إيفرغراند» يسلط الضوء على أزمة العقار في الصين

تحولت مسيرة هوي كا يان، مؤسس «إيفرغراند»، من نموذج للصعود السريع في القطاع العقاري الصيني إلى واحدة من أكثر قضايا الانهيار المالي تأثيراً في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بعد حكم بالسجن المؤبد ومصادرة ممتلكاته الشخصية.

سقوط من قمة الثروة إلى حكم قاسٍ

تختصر قضية هوي كا يان، مؤسس مجموعة «إيفرغراند» الصينية، مساراً اقتصادياً كاملاً عاشته الصين خلال العقود الماضية: صعود سريع، توسع مدفوع بالائتمان، ثم انهيار ترك أثراً واسعاً في القطاع العقاري وفي ثقة الأسواق. فالرجل الذي كان في وقت ما على رأس قائمة أثرياء آسيا، انتهى به المطاف إلى حكم بالسجن المؤبد، في واحدة من أكثر القضايا دلالة على تشدد بكين تجاه المخاطر المالية المتراكمة.

وأقر هوي، الذي يبلغ 67 عاماً، بذنبه في عدد من التهم المرتبطة بإساءة استخدام الأموال والاحتيال في جمع التمويل وتلقي ودائع عامة بصورة غير قانونية، وذلك بعد سنوات من الاحتجاز. كما قضت محكمة في شنتشن بمصادرة جميع ممتلكاته الشخصية، في خطوة تعكس حجم الانهيار الذي لحق ليس فقط بالمجموعة، بل أيضاً بصورة مؤسسها ونموذج الأعمال الذي بنى عليه إمبراطوريته.

من قرية ريفية إلى إمبراطورية عقارية

بدأت قصة هوي من بيئة متواضعة في مقاطعة خنان وسط الصين، حيث نشأ في قرية ريفية تحت رعاية جدته، وعمل سابقاً فنياً في قطاع الصلب قبل أن يدخل عالم الأعمال. ومن هناك، أسس «إيفرغراند» التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في البلاد، مستفيدة من طفرة عمرانية غير مسبوقة ونهم واسع لشراء المساكن والاستثمار في الأراضي.

اعتمدت الشركة على نموذج توسع شديد الجرأة: اقتراض كبير لشراء الأراضي، بناء سريع للمشروعات، ثم بيع الوحدات السكنية مسبقاً لتمويل دورة جديدة من النمو. ومع استمرار الطفرة، بدت الاستراتيجية ناجحة لسنوات، إلى أن أصبحت الديون عبئاً ضخماً لا يمكن تدويره بسهولة عندما تبدلت الظروف المالية وتراجعت السيولة.

وبحلول عام 2020، بلغت مبيعات «إيفرغراند» السنوية نحو 700 مليار يوان، أي ما يقارب 100 مليار دولار، وهو رقم جسّد حجم النفوذ الذي وصلت إليه المجموعة داخل السوق العقارية الصينية.

ثروة هائلة تبخرت بسرعة

في ذروة الصعود، تبددت الفوارق بين رجل الأعمال والرمز الاقتصادي. ففي عام 2017، قُدرت الثروة الصافية لهوي بنحو 45.3 مليار دولار، ليصبح في حينه أغنى رجل في آسيا وفق تقديرات «فوربس». لكن هذا الثراء لم يدم طويلاً؛ إذ تراجعت ثروته إلى نحو 3 مليارات دولار بحلول 2023، قبل أن تضيف قرارات المحكمة الأخيرة طبقة جديدة من النهاية الحادة لهذه القصة.

هذا التراجع السريع لا يعكس فقط خسارة شخصية، بل يكشف أيضاً هشاشة نموذج كانت ترتكز عليه شريحة واسعة من الشركات العقارية الصينية: نمط نمو يعتمد على الديون، وتوقعات أسعار الأراضي المتصاعدة، واستمرار الطلب القوي على المساكن. وعندما تراجعت هذه الركائز، انهارت معها التقييمات والثروات.

إيفرغراند كرمز لأزمة العقار الصينية

لم تكن «إيفرغراند» شركة تطوير عقاري تقليدية. ففي سنوات التوسع، دخلت مجالات أخرى مثل السيارات الكهربائية وكرة القدم، في محاولة لبناء مجموعة متعددة الأنشطة تستفيد من القطاعات التي لاقت اهتماماً رسمياً وشعبياً. كما نسج هوي علاقات مع عدد من كبار رجال الأعمال في هونغ كونغ، من بينهم تشنغ يو تونغ، مؤسس «نيو وورلد ديفيلوبمنت»، الذي ضخ استثماراً بقيمة 150 مليون دولار قبل الطرح العام الأولي للشركة في هونغ كونغ عام 2009.

غير أن هذه الصورة الواسعة للمجموعة أخفت وراءها مخاطراً مالية كبيرة. فمع تشديد السلطات الصينية القيود على الاقتراض العقاري ضمن مساعيها للحد من المخاطر النظامية، بدأت نقاط الضعف تظهر بوضوح. وعندما هبطت مبيعات العقارات وتراجعت قدرة الشركات على إعادة تمويل ديونها، أصبحت «إيفرغراند» من أبرز الضحايا، ثم من أبرز الرموز على أزمة أوسع ضربت القطاع بأكمله.

لاحقاً، بدأت الشركة تتخلف عن سداد التزاماتها الخارجية، قبل أن تدخل في مسار التصفية، في تطور هزّ الأسواق ورفع تساؤلات عن حجم الانكشاف المالي لدى البنوك والموردين والمستثمرين.

رسالة إلى سوق الأعمال في الصين

تكمن أهمية هذه القضية في أنها تتجاوز مصير مؤسس واحد. فسقوط «إيفرغراند» كشف مدى ارتباط الاقتصاد الصيني بالعقار، ليس فقط عبر المطورين، بل أيضاً عبر الحكومات المحلية والمصارف والأسر والمقاولين وسلاسل التوريد المرتبطة بالمشروعات السكنية. وقد أدى هذا الترابط إلى تعقيد الأزمة وجعل حلها أكثر صعوبة مما كان متوقعاً في البداية.

واليوم، تواجه بكين تحدياً مزدوجاً: من جهة، تحتاج إلى حماية الاستقرار المالي ومنع تكرار الإفراط في الاقتراض؛ ومن جهة أخرى، تسعى إلى دعم النمو وتحريك الثقة في سوق الإسكان، دون العودة إلى النموذج القديم نفسه. ولهذا، تنظر السلطات إلى أزمة العقار باعتبارها اختباراً لقدرتها على إعادة هيكلة الاقتصاد من دون إحداث صدمة أكبر في الطلب أو في الأسعار أو في الثروة الأسرية.

في المقابل، يرسل الحكم بحق هوي رسالة واضحة إلى مجتمع الأعمال مفادها أن مرحلة التوسع العقاري غير المنضبط باتت خلفنا. فالنمو المدفوع بالديون، الذي كان يُنظر إليه طويلاً بوصفه أداة لاقتناص الفرص السريعة، صار مرتبطاً اليوم بالمحاسبة القانونية والمخاطر النظامية والقيود التنظيمية الأكثر صرامة.

نهاية حقبة اقتصادية طويلة

في عام 2018، قال هوي في مناسبة خيرية إن ما تمتلكه «إيفرغراند» وما يملكه شخصياً هو هبة من الحزب والدولة والمجتمع. لكن السنوات التالية غيّرت المشهد بالكامل: ثروة تراجعت، شركة دخلت التصفية، ومؤسس انتهى به الأمر خلف القضبان. وبين هذين المشهدين، يمكن قراءة تحول أوسع في الصين من عصر التوسع العقاري السريع إلى عصر أكثر حذراً وتشدداً في إدارة المخاطر.

ولهذا، لا يُقرأ سقوط هوي كا يان باعتباره قصة رجل أعمال خسر كل شيء فحسب، بل باعتباره إشارة إلى نهاية مرحلة اقتصادية كاملة. مرحلة كانت فيها العقارات محركاً رئيسياً للنمو، قبل أن تتحول إلى مصدر ضغط على الاستقرار المالي وثقة المستهلكين، وعلى قدرة الصين نفسها على إعادة توجيه اقتصادها نحو التكنولوجيا والتصنيع المتقدم والاستهلاك المحلي.

ويبقى السؤال المفتوح هو إلى أي مدى تستطيع الصين امتصاص إرث تلك الحقبة الثقيلة من الديون والوعود المؤجلة، من دون أن يمتد أثرها إلى دورة نمو أطول أمدًا في السنوات المقبلة.