تعثر التشريع المالي يطيل أمد الأزمة
تزداد المؤشرات في لبنان على صعوبة تمرير القانون المحوري المرتبط بإعادة الانتظام المالي قبل نهاية العام، في ظل استمرار الخلافات حول كيفية توزيع الخسائر الناجمة عن الانهيار المالي بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية. ويعكس هذا التعثر، الممتد منذ سنوات، غياب صيغة نهائية تُحدد المسؤوليات بشكل عادل وملزم، بما يتيح الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها.
وتُجمع أوساط رسمية ومصرفية على أن أي خطة إنقاذ قابلة للتطبيق تحتاج إلى أساس تشريعي واضح، وأن هذا الأساس يفترض أن يستند إلى نتائج التدقيق الجنائي الدولي الذي تُكمله حالياً شركة «ألفاريز آند مارسال». ويغطي التدقيق، إلى جانب التقرير الأول، كامل حسابات مصرف لبنان بين عام 2015 ونهاية عام 2023، بالتوازي مع تقييمات مستقلة لميزانيات المصارف، في محاولة للوصول إلى صورة أدق عن حجم الخسائر وتوزعها.
فجوة الخسائر وتضارب الأرقام
لا تزال الأرقام المتداولة حول الفجوة المالية عرضة للتقديرات المتباينة، لكن الثابت في النقاشات يدور حول وجود حقوق كبيرة عالقة لصالح المودعين، تقارب 80 مليار دولار، يقابلها حجم مشابه تقريباً مستحق لصالح المصارف لدى مصرف لبنان. وفي المقابل، تشير المعطيات المتداولة إلى نحو 11.5 مليار دولار من الاحتياطيات السائلة بالعملات الأجنبية، إضافة إلى التزامات تمويلية على القطاع العام يفترض أن يحدد التدقيق حجمها النهائي.
كما يجري التحقق من مطالبات أولية بسداد نحو 25 مليار دولار، ما يزيد من تعقيد الصورة ويجعل أي تسوية شاملة بحاجة إلى بيانات نهائية غير قابلة للتأويل. وبدون حسم هذه الأرقام، يبقى أي حديث عن العدالة في توزيع الخسائر أو إعادة بناء الثقة مجرد إطار نظري لا يترجم إلى خطة تنفيذية.
أولوية تحديد العجز قبل توزيع الأعباء
يراهن مصرف لبنان على أن البدء بتحديد العجز المالي بدقة يشكل الشرط الأساسي لأي مسار إصلاحي. ويؤكد حاكم المصرف كريم سعيد، بحسب المداولات المتداولة، أن توزيع المسؤوليات لا يمكن أن يسبق معرفة الحجم الحقيقي للفجوة، لأن أي معالجة مبنية على أرقام غير دقيقة ستقود إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
وتزداد صعوبة المهمة مع استمرار القناعة بأن إنقاذ النظام المالي لن يكون سريعاً حتى لو جرى الاعتراف بمسؤولية الدولة عن جزء من الخسائر. كما أن اعتماد استخدام محدود للأموال العامة لإعادة رسملة البنك المركزي، كما أوصى صندوق النقد الدولي، لا يزال يواجه اعتبارات سياسية ومالية دقيقة، ما يجعل التفاوض حول الصيغة النهائية شديد الحساسية.
خيار مزدوج بين الحقوق والتعافي
تتداول أوساط القطاع المالي فكرة الجمع بين مسارين متوازيين: الأول يتعلق ببرمجة سداد الحقوق المستحقة تدريجياً، والثاني يركز على إطلاق برنامج تعافٍ يعيد هيكلة القطاع المصرفي ويمنح المؤسسات القادرة على الاستمرار فرصة لاستعادة دورها. ويقوم هذا التصور على أن استرداد الودائع وإعادة بناء المصارف ليستا عمليتين منفصلتين، بل مترابطتان بشكل وثيق.
فمن دون دور فعّال للسلطة النقدية، لن يكون من الممكن ضبط الانتقال إلى مرحلة جديدة. ومن دون عودة تدريجية للنشاط المصرفي في الاستثمار والائتمان، لن ينجح الاقتصاد في استعادة التوازن أو العودة إلى الأسواق الدولية. لذلك يُنظر إلى أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي باعتباره جزءاً مكملًا لمسار أوسع لا يقتصر على التمويل، بل يشمل إصلاحات مالية وهيكلية ومصرفية عميقة.
تشديد السيولة يقرب مصرف لبنان من منطق مجلس النقد
في موازاة الجدل التشريعي، يواصل مصرف لبنان سياسة إحكام السيطرة على الكتلة النقدية بالليرة، التي تراجعت إلى نحو 56.6 تريليون ليرة، أي ما يعادل قرابة 630 مليون دولار وفق الأسعار المتداولة. هذا التشدد يجعل إدارة السيولة أقرب إلى نموذج «مجلس النقد»، وهو الإطار الذي يعتمد على عدم إصدار العملة الوطنية من دون تغطية كاملة بالاحتياطيات الأجنبية.
ويُنظر إلى هذا النموذج في الأوساط الدولية على أنه أداة فعالة لوقف تدهور العملة والحد من التضخم سريعاً، لكنه لا يشكل بديلاً عن معالجة أزمة الودائع أو إصلاح النظام المصرفي. بعبارة أخرى، قد يحقق الاستقرار النقدي، لكنه لا يعالج تلقائياً الخسائر المتراكمة أو يرد الحقوق المحتجزة بالدولار.
استعادة المصداقية النقدية قبل الإصلاحات الأوسع
برزت في الفترة الأخيرة دعوات إلى إعطاء الأولوية لاستعادة المصداقية النقدية قبل الدخول الكامل في حزمة الإصلاحات المالية. وتكتسب هذه المقاربة زخماً من نقاشات تقنية نوقشت في ندوة متخصصة برعاية مصرف لبنان، شارك فيها خبراء دوليون على مدى ثلاث جلسات، وجرى خلالها بحث إمكان تطبيق نظام نقدي قائم على قواعد واضحة ومحددة.
ويستند هذا التوجه إلى تجربة عدد من الدول التي لجأت إلى مجالس النقد بعد أزمات حادة، ونجحت في تثبيت سعر الصرف وخفض التضخم واستعادة جزء من الثقة. وفي الحالة اللبنانية، يُعتقد أن استقرار العملة قد يفتح الباب أمام عودة تدريجية للثقة لدى المواطنين والمستثمرين، ويساعد على تحريك النشاط الاقتصادي وتخفيف الضغوط على الأسعار.
الحدود العملية لنظام مجلس النقد
رغم الجاذبية النظرية لهذا الخيار، يؤكد خبراء أن مجلس النقد لا يمثل حلاً شاملاً. فهو لا يعيد هيكلة المصارف، ولا يعالج الدين العام، ولا يعوض تلقائياً الخسائر الكبيرة التي أصابت المودعين. لذلك فإن نجاحه، إن طُبق، سيعتمد على اندماجه ضمن برنامج أوسع لإصلاح المالية العامة والقطاع المصرفي والمؤسسات العامة.
ويستفيد لبنان في هذا السياق من خصائص اقتصادية تجعله، نظرياً، أكثر قابلية لتبني مثل هذا النموذج، مثل انفتاحه التجاري واعتماده على الواردات والتحويلات المالية وتدفقات الرساميل الخارجية. كما أن هذا النظام قد يعمل جنباً إلى جنب مع برنامج إصلاحي مدعوم من صندوق النقد الدولي، بحيث يتولى الانضباط النقدي بينما يركز الصندوق على الإصلاحات المالية والهيكلية.
إصلاحات مطلوبة في المصارف والدين العام
تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي، بالتوازي مع معالجة ملف الدين العام، ولا سيما سندات اليوروبوندز التي توقفت الحكومة عن سدادها في ربيع 2020، وكانت قيمتها تقارب 31.6 مليار دولار حينها من دون احتساب الفوائد المتراكمة. كما يتطلب المسار الإصلاحي حزمة واسعة من التدابير الإدارية والاقتصادية لإعادة بناء الثقة بالمؤسسات وبآليات صنع القرار.
وتشير المداولات المتخصصة إلى أن الأزمة الراهنة أعمق من مجرد اضطراب في سعر الصرف، إذ إنها تعكس انهياراً واسعاً في الثقة بالسياسات النقدية والمالية. فالتمويل المستمر للعجز عبر المصرف المركزي، والاعتماد على القرارات التقديرية، والتدخلات المتكررة في سوق الصرف، كلها عوامل ساهمت في إضعاف العملة الوطنية وإطالة أمد الانكماش.
وبينما ينتظر السوق حلّاً تشريعياً يحدد المسؤوليات بوضوح، يظل التحدي الأساسي هو الانتقال من إدارة الخسائر إلى بناء إطار جديد للاستقرار النقدي والمالي، يوازن بين حقوق المودعين، وقدرة الدولة، ومتطلبات إعادة تشغيل الاقتصاد على أسس أكثر انضباطاً.