اتفاق جديد يعزز الاستكشاف البحري
وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» اتفاقية جديدة مع شركة «شيفرون» العالمية للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، في خطوة تعكس استمرار تحرك القاهرة لتوسيع قاعدة الاستكشافات في قطاع الطاقة.
وتبلغ الاستثمارات الحد الأدنى في الاتفاقية 88 مليون دولار، وتشمل تنفيذ برنامج عمل يضم حفر بئرين استكشافيتين، إلى جانب إعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد، وهي أدوات أساسية لرفع دقة التقييم الجيولوجي وتحديد فرص الاكتشاف.
وجرت مراسم التوقيع بحضور وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، في إطار توجه حكومي أوسع لطرح مزيد من المناطق أمام الشركات العالمية العاملة في النفط والغاز، وجذب استثمارات جديدة إلى أنشطة البحث والتنقيب.
منطقة واعدة في أعماق المتوسط
تقع منطقة لوتس البحرية على مسافة تقارب 200 كيلومتر من الساحل المصري، وتتميز بعمق مائي كبير يتراوح بين 2000 و2800 متر. وهذه الخصائص تجعلها من المناطق البحرية المعقدة فنياً، لكنها في الوقت نفسه تحمل فرصاً استكشافية واعدة، خصوصاً مع عدم خضوعها سابقاً لحفر آبار عميقة.
ويمنح هذا الواقع الاتفاقية أهمية إضافية، لأن دخول شركة عالمية مثل شيفرون إلى منطقة لم تُستكشف على نحو كامل قد يفتح الباب أمام بيانات جديدة بشأن التكوينات الجيولوجية وإمكانات وجود احتياطيات إضافية من الغاز أو الزيت الخام.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه مصر تعزيز دور البحر المتوسط ضمن خريطة الطاقة الوطنية، سواء عبر الاستكشاف أو تنمية الحقول القائمة أو تحسين كفاءة استخدام البيانات الجيولوجية المتاحة.
استراتيجية لزيادة الإنتاج المحلي
أكد وزير البترول والثروة المعدنية أن توسيع نطاق البحث والاستكشاف يمثل أحد المحاور الأساسية في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز. وتقوم هذه الاستراتيجية على الجمع بين طرح فرص جديدة أمام الشركات العالمية، والاستفادة من قواعد البيانات السيزمية، إلى جانب تنفيذ برامج مسح إضافية في المناطق ذات الاحتمالات الواعدة.
وأشار إلى أن الدولة اتخذت خطوات لسداد مستحقات شركاء الاستثمار، وهو ما انعكس على مستوى الثقة في قطاع البترول المصري، وشجع الشركات على زيادة إنفاقها الاستثماري والعودة إلى تكثيف برامج البحث والاستكشاف بعد سنوات من الحذر في بعض الأسواق.
وتسعى القاهرة من خلال هذه السياسات إلى تسريع أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع مشروعات الإنتاج، بما يدعم توافر الطاقة محلياً ويحد من الضغوط المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية.
مناطق جديدة على خريطة الاستثمار
تعمل وزارة البترول المصرية على طرح فرص إضافية في مناطق متعددة تشمل البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر. وتستند هذه الخطط إلى برامج مسح سيزمي قائمة وأخرى مخطط لها، بهدف توفير بيانات أكثر حداثة ودقة حول التراكيب الجيولوجية واختيار المواقع الأكثر جذباً للاستثمار.
ويعكس هذا المسار رغبة في تنويع محفظة الاستكشاف وعدم الاعتماد على منطقة واحدة، بما يساعد على جذب الشركات الكبرى التي تبحث عادة عن فرص طويلة الأجل مدعومة ببيانات فنية موثوقة وإطار تنظيمي واضح.
كما أن التوسع في الطرح ينسجم مع توجهات أوسع في الاقتصاد المصري لتعزيز الاستثمارات في القطاعات القادرة على توليد عملة صعبة، وفي مقدمتها الطاقة والموارد الطبيعية.
شيفرون توسع حضورها في مصر
تؤكد الاتفاقية الجديدة استمرار شيفرون في توسيع وجودها الاستثماري داخل السوق المصرية. وتعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، من بينها نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إضافة إلى منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».
ويشير هذا الانتشار إلى أن الشركة تنظر إلى مصر باعتبارها سوقاً تحمل فرصاً فنية وتجارية على المدى المتوسط والطويل، خصوصاً في المناطق البحرية العميقة التي تتطلب خبرات متقدمة في المسح والحفر وإدارة البيانات.
كما أن استمرار الشركة في العمل بعدد من الامتيازات يعكس ثقة متجددة في البيئة التشغيلية، وفي قدرة القطاع على توفير فرص استكشافية قابلة للتطوير إذا ما أثبتت الدراسات الأولية جدواها.
مؤشرات استكشافية تشجع على مزيد من العمل
شهدت بعض مناطق امتياز شيفرون في البحر المتوسط مؤشرات واعدة خلال الفترة الماضية. ومن أبرز تلك الإشارات الكشف الغازي في نرجس، إضافة إلى ما أظهره حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً من مؤشرات أولية على وجود النفط الخام.
ورغم أن المؤشرات الاستكشافية لا تعني بالضرورة تحولها إلى اكتشافات تجارية مؤكدة، فإنها ترفع من قيمة المناطق البحرية من منظور الشركات والمستثمرين، وتدعم قرارات مواصلة الإنفاق على الحفر والتحليل الجيولوجي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الاتفاقية الجديدة مع شيفرون بوصفها جزءاً من سلسلة خطوات تهدف إلى تحويل فرص الاستكشاف إلى مشاريع إنتاجية، بما يدعم إمدادات الطاقة ويعزز موقع مصر الإقليمي في سوق الغاز.
رهان اقتصادي على الطاقة والاستثمار
تمثل الاتفاقية أكثر من مجرد عقد تنقيب جديد، لأنها تقع عند تقاطع السياسة الصناعية مع أمن الطاقة وجذب الاستثمارات الأجنبية. فكل برنامج استكشاف ناجح يمكن أن يسهم في خفض فاتورة الاستيراد، أو زيادة فرص التصدير، أو تحسين مزيج الطاقة المحلي على المدى الأبعد.
كما أن استمرار ضخ الاستثمارات في أعمال المسح والحفر يساعد على الحفاظ على زخم القطاع، ويدعم سلاسل الإمداد والخدمات الفنية المرتبطة به، من الأعمال الهندسية إلى خدمات البيانات والاستشارات المتخصصة.
وبالنسبة لمصر، فإن توسيع النشاط في البحر المتوسط ينسجم مع هدف أوسع يتمثل في بناء قطاع طاقة أكثر قدرة على المنافسة والاستجابة لتقلبات السوق العالمية، مع الاستفادة من موقع جغرافي وبنية تحتية تسمح بتحويل الاكتشافات المحتملة إلى قيمة اقتصادية فعلية.