دعا مسؤولون تنفيذيون في قطاع الشحن البحري إلى وضع قواعد تشغيل واضحة قبل عودة الحركة الطبيعية عبر مضيق هرمز، مؤكدين أن أي تهدئة سياسية بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون كافية وحدها إذا لم تحدد آلية العبور، وشروط الدخول والخروج، والمسؤوليات المرتبطة بالسلامة والتأمين.
وجاءت هذه المطالب خلال اجتماعات عقدت في أثينا على هامش مؤتمر «كابيتال لينك» وفعاليات انطلاق معرض بوسيدونيا للشحن البحري، حيث عبّر ملاك سفن ومديرو شركات عن قلقهم من أن غياب الإطار العملي سيُبقي قرارات الإبحار رهينة التقديرات الفردية، بدل أن تكون مبنية على ضوابط واضحة يمكن للقطاع الاعتماد عليها.
دعوات إلى إطار عملي لا يترك المجال للتقدير الشخصي
قال بانكاغ خانا، رئيس شركة «هايدمار ماريتايم هولدنغز كورب»، إن القطاع لا يحتاج إلى عناوين سياسية عامة بقدر ما يحتاج إلى لائحة محددة تشرح كيفية المرور بأمان عبر المضيق. وأوضح أن الإعلان عن اتفاق سلام، إن حدث، لن يحل المشكلة تلقائياً ما لم يترافق مع تعليمات دقيقة تفصل ما هو مسموح وما هو غير مسموح أثناء الملاحة.
وأشار خانا إلى أن شركته ما زالت تمتلك سفينة عالقة داخل الخليج منذ نحو ثلاثة أشهر، في مثال يعكس الكلفة التشغيلية المباشرة لتعطل المسارات البحرية أو تأخر استئنافها بشكل منتظم. كما لفت إلى أن هذا النوع من التأخير لا يضر بالأساطيل فقط، بل يترك أثراً إنسانياً واضحاً على البحارة الذين يفقدون شهوراً من حياتهم الأسرية والمهنية.
المخاطر لا تتعلق بالشحن فقط
من جانبه، شدد فاسيليس كيكيلياس، وزير الشحن البحري اليوناني، على أن الصراعات الإقليمية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها بسهولة، وأن تعقيداتها قد تتبدل بسرعة أكبر من قدرة الشركات على إعادة ترتيب عملياتها. وأكد أن القطاع لا يستطيع قبول واقع يمنع السفن من المرور بحرية في ممرات التجارة الدولية، لأن ذلك يضغط على شركات النقل، والبحارة، والتبادل التجاري العالمي في آن واحد.
وتتجاوز التداعيات حدود السفن نفسها إلى سلسلة أوسع تشمل شركات التأمين والموانئ والمستهلكين النهائيين. فكل يوم إضافي من عدم اليقين قد يعني ارتفاعاً في تكاليف التشغيل، وتعديل الجداول الزمنية، وإعادة توجيه الشحنات، وزيادة التكاليف على البضائع المرتبطة بالطاقة والسلع الأساسية.
التأمين متاح لكنه لا يكفي وحده
أوضح يانييس بروكوبيو، الرئيس التنفيذي لشركة «سنتروفين مانجمنت»، أن القدرة على الحصول على تغطية تأمينية لا تعني أن الممر الملاحي أصبح آمناً فعلياً أو جاهزاً للاستخدام على نطاق واسع. فالمعيار الحاسم، بحسب رأيه، هو وجود قواعد واضحة تحكم التعامل مع الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران، بحيث تعرف الشركات مسبقاً متطلبات الامتثال وحدود المخاطرة.
وأضاف أن الوضع الحالي لا يزال شديد الحساسية، وأن القطاع يواجه بيئة عالية المخاطر حتى لو توفرت حلول مالية أو تأمينية جزئية. وفي ظل هذه الظروف، تميل الشركات إلى التحفظ، لأن أي خطأ في التقدير قد ينعكس على السفينة والطاقم والبضائع وسلسلة التوريد بأكملها.
أهمية مضيق هرمز في التجارة العالمية
يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، إلى جانب حصة كبيرة من السلع والخدمات المرتبطة بالتجارة الدولية. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة عبره لا يبقى محصوراً في الإقليم، بل يمتد أثره إلى أسواق الطاقة، وأسعار الشحن، وتكاليف التأمين، وتوقيت التسليم في سلاسل الإمداد الممتدة عبر القارات.
وقد أدى الصراع في إيران إلى إغلاق شبه كامل للمضيق في فترات سابقة، ما أبرز هشاشة الاعتماد العالمي على هذا الشريان البحري. ومع كل حديث عن تهدئة محتملة، يظل العامل الفاصل بالنسبة للشركات هو وضوح القواعد التي تسمح بالعمل دون تعريض السفن والطاقم والبضائع لمخاطر غير محسوبة.
انعكاسات أوسع على الأعمال وسلاسل الإمداد
بالنسبة إلى شركات الشحن، لا ترتبط المسألة بحرية الملاحة وحدها، بل بقدرتها على التخطيط المالي والتشغيلي لأسابيع وربما أشهر مقبلة. فغياب اليقين يجعل من الصعب تحديد الأسعار، وجدولة الرحلات، وإدارة العقود مع العملاء، والتفاوض مع شركات التأمين، فضلاً عن صعوبة الاحتفاظ بالكوادر البحرية في بيئة يتراجع فيها الاستقرار المهني.
كما أن استمرار الارتباك في هذا الممر الحيوي ينعكس على الاقتصاد العالمي الأوسع عبر ارتفاع التكلفة النهائية للنقل، وزيادة زمن الإمداد، وتبدل وجهات الشحن، وهو ما يفرض على الشركات الصناعية والتجارية بناء هوامش أمان أعلى في المخزون والتمويل واللوجستيات. ولهذا يصر مسؤولو القطاع على أن الحل السياسي، مهما كان مهماً، يجب أن يسبقه أو يرافقه تفصيل تشغيلي واضح.
وفي المحصلة، يرى القطاع البحري أن العودة الطبيعية إلى مضيق هرمز لا تُقاس فقط بتراجع التوتر، بل بوجود قواعد يمكن التحقق منها وتطبيقها بشكل متسق. ومن دون ذلك، ستبقى الملاحة رهناً للتقديرات المتغيرة، وسيظل مضيق هرمز نقطة حساسة في معادلة الأعمال والتجارة والطاقة على مستوى العالم.