الأعمال والاقتصاد الرقمي 03-Jun-2026 5 دقائق قراءة

منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: الدعم الحكومي الصيني أعاد تشكيل المنافسة في 15 قطاعاً صناعياً

تقرير جديد لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يكشف أن الشركات الصينية في 15 قطاعاً صناعياً رئيسياً تلقت دعماً حكومياً يفوق بكثير ما حصلت عليه نظيراتها في الاقتصادات المتقدمة والناشئة، ما ساهم في تعزيز حصصها السوقية العالمية وخلق ضغوط على الأسعار والإنتاج في قطاعات استراتيجية.

كشف تقرير حديث لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الدعم الحكومي الموجه إلى الشركات الصينية في عدد من القطاعات الصناعية الأساسية ظل أعلى بكثير من مستويات الدعم التي حصلت عليها الشركات في دول المنظمة، وكذلك في عدد من الاقتصادات الكبرى خارجها، خلال الفترة الممتدة من 2005 إلى 2024.

ويستند التقرير إلى بيانات جمعتها المنظمة ضمن قاعدة معلومات خاصة بالشركات الصناعية الكبرى، ويغطي 15 قطاعاً تُعد من الأعمدة الرئيسية في الاقتصاد العالمي، من بينها الصلب، وبناء السفن، والألواح الشمسية، وأشباه الموصلات، ومعدات الاتصالات، والسيارات، والكيماويات، والآلات الثقيلة.

وبحسب المنظمة، تلقت هذه القطاعات الصينية دعماً بلغ 108 مليارات دولار في عام 2024 وحده، وهو رقم يعكس استمرار التدخل الحكومي الكثيف في بنية الإنتاج والتوسع الصناعي داخل الصين.

فجوة واسعة في مستويات الدعم

يرى التقرير أن الفارق بين ما تتلقاه الشركات الصينية وما تحصل عليه نظيراتها في اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كبير للغاية. فخلال السنوات العشرين الماضية، حصلت الشركات الصينية في المتوسط على دعم حكومي يزيد بثلاثة إلى ثمانية أضعاف عن الدعم المقدم لشركات مماثلة في دول المنظمة، وفق تقدير وصفته المنظمة بأنه متحفظ.

كما أشار التقرير إلى أن هذا المستوى من الدعم كان أعلى أيضاً من ذلك المتاح لشركات في اقتصادات ناشئة مهمة، مثل البرازيل والهند وإندونيسيا. ويشمل ذلك أشكالاً متعددة من المساندة، مثل الدعم المباشر، والإعفاءات الضريبية، والقروض الميسرة من البنوك والمؤسسات المالية المملوكة للدولة، أحياناً بأسعار فائدة أدنى من مستويات السوق.

وتعني هذه الأدوات، عملياً، أن الشركات لا تنافس فقط عبر الكفاءة والإنتاجية، بل أيضاً عبر بيئة تمويلية وتنظيمية توفر لها مساحة توسع أكبر ووقتاً أطول للوصول إلى الربحية.

أثر مباشر على الحصص السوقية والأسعار

بحسب المنظمة، فإن قرابة 60 في المائة من الزيادة التي حققتها الشركات الصينية في حصتها من السوق العالمية يمكن ربطها بالدعم الحكومي الذي تلقتْه. ويظهر هذا الأثر في قطاعات مثل الألواح الشمسية والصلب وبناء السفن، حيث تمكّنت الشركات الصينية من التوسع السريع واكتساب حضور عالمي واسع خلال عقدين، مع ضغوط واضحة على المنتجين المنافسين في الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها.

ويشير التقرير إلى أن هذا الدعم منح الشركات الصينية قدرة أكبر على ضخ استثمارات في خطوط إنتاج جديدة، وتحمل فترات أطول قبل تحقيق الأرباح، والاستمرار في العمل حتى في مواجهة تباطؤ الطلب أو انخفاض الأسعار. ونتيجة لذلك، برزت حالات فائض في الطاقة الإنتاجية في بعض الصناعات، وهو ما ساهم في دفع الأسعار العالمية إلى مستويات أدنى، مع زيادة الضغوط على الشركات الأجنبية الأقل استفادة من الدعم.

في هذا السياق، تؤكد المنظمة أن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً بطريقة تشكل المنافسة نفسها. فحين تحصل شركة على تمويل أرخص ومساندة أكبر لفترات طويلة، تصبح قدرتها على اقتناص السوق أعلى حتى لو لم تكن الأكثر كفاءة أو ابتكاراً.

الدعم الصناعي عند أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية

أفاد التقرير بأن الدعم الحكومي العالمي لهذه القطاعات وصل إلى أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 خلال عامي 2023 و2024. وبلغ متوسط هذا الدعم نحو 1.3 في المائة من إيرادات الشركات في 2024، وهو مستوى ترى المنظمة أنه مهم بما يكفي لتغيير قواعد المنافسة في قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي.

وتلفت المنظمة إلى أن ذروة الدعم السابقة كانت في 2009، حين كانت الاقتصادات العالمية تمر بحالة ركود حاد، بينما جاءت الزيادة الأخيرة في 2023 و2024 في بيئة اقتصادية مختلفة، ما يجعلها أقرب إلى تحول هيكلي في السياسات الصناعية وليس مجرد استجابة ظرفية لأزمة قصيرة الأمد.

وبحسب هذا التقييم، فإن العديد من الحكومات باتت تنظر إلى الصناعات الاستراتيجية باعتبارها أدوات للأمن الاقتصادي والتفوق التكنولوجي وسلاسل الإمداد، الأمر الذي عزز التوجه نحو تدخل أوسع في السوق، سواء عبر التمويل أو الحوافز الضريبية أو برامج المحتوى المحلي.

مقاربة تنافسية مثيرة للجدل

في عرض نتائج التقرير، شبّه الأمين العام للمنظمة ماتياس كورمان هذا النوع من الدعم بما يشبه تأثير المواد المنشطة في الرياضة، في إشارة إلى أن الشركات المدعومة قد تحقق تفوقاً في السوق لا يعكس بالضرورة أداءً أفضل أو ابتكاراً أعلى، بل امتيازات تمويلية وسياسات عامة غير متكافئة.

وأوضح كورمان أن الدعم الحكومي قد يرفع الحصة السوقية، لكنه لا يضمن بالضرورة تحسين الإنتاجية أو الربحية. ووفقاً لهذا المنظور، يصبح النمو في بعض القطاعات ناتجاً عن قدرة الدولة على إسناد شركاتها أكثر من كونه نتيجة طبيعية لتقدم تقني أو تفوق تشغيلي.

وتكتسب هذه الخلاصة أهمية خاصة في قطاعات مثل أشباه الموصلات، ومعدات الاتصالات، والصلب، والألمنيوم، والأسمدة، والآلات الثقيلة، وتوربينات الرياح، حيث تتقاطع اعتبارات الاقتصاد الصناعي مع الأمن التقني والتحول الطاقي.

قطاعات تحت الضغط

ركزت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على 15 قطاعاً باعتبارها من الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي. وتشمل هذه القطاعات الطيران والدفاع، والألمنيوم، وصناعة السيارات، والأسمنت، والكيماويات، والأسمدة، والزجاج والسيراميك، والآلات الثقيلة، وأشباه الموصلات، وبناء السفن، والألواح الكهروضوئية، والصلب، ومعدات الاتصالات، وعربات السكك الحديدية، وتوربينات الرياح.

ويعني هذا الاتساع أن نتائج التقرير لا تخص صناعة بعينها، بل ترسم صورة أوسع عن اتجاه السياسات الصناعية الدولية، خاصة في ظل تصاعد المنافسة على سلاسل الإمداد والتكنولوجيا النظيفة والبنية التحتية الرقمية.

كما أن تركز الدعم في قطاعات كثيفة رأس المال ومؤثرة في التجارة العالمية يرفع احتمال استمرار التوترات التجارية، سواء عبر الرسوم الجمركية أو القيود التنظيمية أو التحقيقات المتعلقة بالدعم والإغراق، وهي أدوات تلجأ إليها الدول لحماية شركاتها المحلية من المنافسة غير المتكافئة.

دلالات اقتصادية أوسع

يعكس التقرير، في جوهره، انتقال الدعم الحكومي من كونه أداة إنقاذ مؤقتة إلى عنصر دائم في الاستراتيجية الصناعية لدى بعض الاقتصادات الكبرى. وفي حالة الصين، يوضح التقرير أن هذا الدعم لم يقتصر على تنشيط الطلب الداخلي، بل ساعد أيضاً في بناء قوة تصديرية هائلة غيّرت ميزان المنافسة في أسواق متعددة.

وبينما يرى المؤيدون أن هذه السياسات ضرورية لتعزيز التصنيع المحلي والابتكار والاستقلال التكنولوجي، يحذر منتقدوها من أنها قد تؤدي إلى تشوهات سعرية وفوائض إنتاجية وإضعاف الشركات المنافسة التي تعمل وفق شروط سوق أكثر صرامة.

ومع استمرار التوترات التجارية بين الصين والاقتصادات الغربية، يبدو أن الجدل حول الدعم الصناعي لن يقتصر على أرقام الإنفاق أو حجم القروض، بل سيتحول أكثر فأكثر إلى نقاش حول شكل المنافسة العادلة، وحدود تدخل الدولة في الأسواق، ومستقبل العولمة الصناعية نفسها.