تحول تشريعي يوسّع مهمة البنك المركزي
أقرّ البرلمان الإندونيسي تشريعاً جديداً يمنح بنك إندونيسيا نطاقاً أوسع من المهام المرتبطة بدعم الاقتصاد، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في دفع عجلة النمو خلال السنوات المقبلة، لكنها في الوقت نفسه أثارت أسئلة جدية حول حدود الاستقلالية النقدية في أكبر اقتصاد في جنوب شرقي آسيا.
ويأتي القانون في وقت تعمل فيه جاكرتا على تحقيق هدف اقتصادي طموح يتمثل في رفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 8 في المائة بحلول عام 2029. هذا الهدف يتطلب، بحسب الحكومة، تنسيقاً أكبر بين السياسات المالية والنقدية والرقابية، لكنه يضع البنك المركزي أيضاً في قلب نقاش حساس حول التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار.
وتنص التعديلات على إدراج هدف جديد ضمن مهام البنك المركزي يتمثل في تهيئة بيئة اقتصادية تساعد على نمو القطاع الحقيقي وتوليد فرص العمل، وهو ما يمنح هذه الأولوية صفة قانونية واضحة بعد أن كانت تُؤخذ، وفق مسؤولين، في الحسبان ضمن صياغة السياسات من قبل دون أن تكون منصوصاً عليها بهذه الصراحة.
مخاوف من اتساع التدخل السياسي
أكثر ما أثار قلق الأسواق والمحللين هو البند الذي يتيح للبرلمان إصدار توصيات ملزمة للجهات المالية المستقلة، بما في ذلك بنك إندونيسيا وهيئة الخدمات المالية ومؤسسة تأمين الودائع الإندونيسية. هذا التطور يُنظر إليه باعتباره توسيعاً غير مسبوق لدور المشرعين في توجيه المؤسسات التي يفترض أن تعمل بعيداً عن الضغوط السياسية المباشرة.
ورغم تأكيد المسؤولين الحكوميين أن استقلالية البنك المركزي ستظل محفوظة، فإن بعض المراقبين يرون أن النصوص الجديدة تفتح الباب أمام تدخل أكبر في آليات صنع القرار. ويزداد هذا الجدل مع إدخال آلية جديدة لعزل أعضاء مجلس محافظي البنك المركزي، وهي نقطة قال نائب وزير المالية إن القانون يتضمنها، من دون توضيح تفاصيلها النهائية.
ويرى منتقدو التشريع أن أي صيغة تمنح السلطة السياسية أدوات إضافية لمحاسبة مسؤولي البنك المركزي قد تؤثر على قدرة المؤسسة على اتخاذ قرارات غير شعبية لكنها ضرورية، مثل رفع أسعار الفائدة أو تشديد السيولة عندما تتطلب الظروف ذلك.
أسواق مضغوطة وثقة تحت الاختبار
يأتي إقرار القانون في وقت حساس للاقتصاد الإندونيسي، إذ تتراجع ثقة المستثمرين في مسار السياسات الاقتصادية، كما خفضت وكالتا موديز وفيتش هذا العام النظرة المستقبلية للتصنيف الائتماني للبلاد من مستقرة إلى سلبية. وبررت الوكالتان ذلك بتزايد المخاوف بشأن قابلية التنبؤ في صنع القرار الاقتصادي وتراجع المصداقية المؤسسية.
وتعرضت الأصول الإندونيسية لضغوط واضحة خلال الفترة الأخيرة. فقد هبطت الأسهم بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام، بينما فقدت الروبية أكثر من 7 في المائة من قيمتها أمام الدولار الأميركي، لتصبح من بين أضعف العملات أداءً في الأسواق الناشئة الآسيوية. كما لامست العملة مستوى قياسياً منخفضاً بلغ 18.045 روبية للدولار.
هذه التحركات لا تعكس فقط توترات محلية، بل أيضاً حساسية الأسواق تجاه أي إشارة إلى تغيير في طبيعة العلاقة بين الحكومة والمؤسسات المستقلة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح الرسائل التشريعية لا تقل أهمية عن القرارات الاقتصادية نفسها، لأن المستثمرين يقيسون استقرار السوق بقدر ما يقيسون اتجاهات السياسة.
دعم النمو مقابل صون الاستقرار
دافع مؤيدو القانون عن التعديلات الجديدة باعتبارها استجابة لحاجة الاقتصاد الإندونيسي إلى دفعة أكبر، خاصة في القطاعات الإنتاجية والمالية. وقال نائب وزير المالية بوربايا يودهي ساديوا إن إصلاح النظام المالي ضروري لخلق نمو أعلى وأكثر استدامة، مؤكداً أن الاقتصاد يحتاج إلى قطاع مالي قوي قادر على دعم النشاط الحقيقي.
كما أشار إلى أن التشريع لا يهدف إلى إضعاف البنك المركزي، بل إلى توسيع قدرته على المساهمة في تحقيق أهداف التنمية، مع الاحتفاظ بإطار عمل يراعي استقرار الاقتصاد الكلي. ويستند هذا الطرح إلى قناعة مفادها أن النمو المرتفع لا يمكن تحقيقه عبر السياسة النقدية وحدها، بل عبر منظومة متكاملة تشمل التمويل والاستثمار والبنية التنظيمية.
غير أن هذا المنطق يواجه اعتراضات من اقتصاديين يحذرون من أن إسناد مهمة النمو للبنك المركزي قد يدفعه إلى تبني سياسة أكثر تيسيراً، على حساب مكافحة التضخم أو حماية العملة. وفي اقتصاد ناشئ يتسم بتقلبات التمويل العالمي، قد تكون كلفة أي تراجع في مصداقية البنك المركزي مرتفعة على المدى المتوسط.
توسيع التشريع إلى قطاعات مالية أخرى
لا يقتصر القانون على بنك إندونيسيا وحده، بل يشمل أيضاً أحكاماً تتعلق ببورصة إندونيسيا، وهيئة تنظيم المعادن والسلع الاستراتيجية، فضلاً عن قواعد مرتبطة بإنشاء مركز مالي دولي مقترح. كما يتضمن بنوداً تخص صندوق الثروة السيادية «دانانتارا»، بما في ذلك إصدار أدوات دين خاصة مثل سندات «باتريوت» وسندات «الأحمر والأبيض».
وتعكس هذه الحزمة التشريعية رغبة واضحة في إعادة هندسة البنية المالية والتنظيمية للبلاد، ليس فقط على مستوى السياسة النقدية، بل أيضاً في الأسواق الرأسمالية والبنية المؤسسية المرتبطة بالاستثمار والتمويل السيادي. مثل هذه الخطوات قد توفر أدوات إضافية للحكومة، لكنها في المقابل ترفع سقف التوقعات بشأن وضوح قواعد الحوكمة والشفافية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه إندونيسيا إلى تعزيز النمو ورفع جاذبيتها الاستثمارية، سيظل نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى قدرة السلطات على طمأنة الأسواق بأن توسيع المهام لا يعني إضعاف الاستقلال المؤسسي. فالثقة، في الاقتصادات الناشئة تحديداً، لا تُبنى فقط على الطموحات، بل على اتساق الرسائل وسلامة التنفيذ.
وبين الحاجة إلى تحفيز الاقتصاد والحرص على عدم المساس بصلابة السياسة النقدية، تبدو المعادلة الإندونيسية المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة والبنك المركزي على العمل ضمن إطار واحد من دون أن يفقد كل طرف مجاله الطبيعي في إدارة الاقتصاد.