تواصل دولة الإمارات ترسيخ مكانتها كإحدى أبرز الوجهات العالمية في قطاع التجزئة، مستفيدة من اقتصاد متنوع سريع التوسع، ومنظومة لوجستية متقدمة، وتكامل متنامٍ بين المتاجر التقليدية وقنوات البيع الرقمية. ويعكس هذا المسار تحوّل السوق المحلي إلى بيئة جاذبة للعلامات الدولية والمستثمرين، في وقت تتعزز فيه المنافسة على تقديم تجربة استهلاكية أكثر مرونة وتطوراً.
ولا يرتبط هذا الزخم بتوسع مراكز التسوق الكبرى فقط، بل أيضاً بارتفاع وتيرة إطلاق الوجهات التجارية الجديدة، وتنامي الحضور العالمي للعلامات التجارية، إلى جانب التقدم الملحوظ في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل السريع. هذه العناصر مجتمعة تجعل من الإمارات نموذجاً متقدماً في بناء سوق تجزئة قادر على مواكبة التحولات الاستهلاكية العالمية.
سوق يتوسع مدفوعاً بالنمو الاقتصادي
تشير التقديرات الدولية إلى أن سوق التجزئة في الإمارات يسير نحو نمو قوي خلال السنوات المقبلة. ووفقاً لتقرير صادر عن مركز إنترريجونال للتحليلات الإستراتيجية في 2025، من المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 227.1 مليار دولار بحلول عام 2033، بدعم من معدل نمو سنوي مركب يبلغ 5.1%.
وفي اتجاه مشابه، أفادت مجموعة إيمارك للأبحاث بأن حجم السوق بلغ 152.7 مليار دولار في 2025، مع توقعات ببلوغه 237.7 مليار دولار بحلول 2034. وتعكس هذه الأرقام الثقة المستمرة في السوق الإماراتي، وقدرته على جذب الطلب المحلي والدولي في آن واحد.
ويعزز هذا النمو عاملان رئيسيان: قوة الاقتصاد الوطني غير النفطي، واستمرار الاستثمارات في البنية التحتية التجارية والرقمية. كما أن مكانة الدولة كمركز للأعمال والسياحة ترفع من جاذبية السوق، وتدعم الطلب على السلع والخدمات بمستويات تفوق كثيراً من الأسواق الإقليمية.
دبي تقود مشهد التجزئة الفاخرة
تحتل دبي موقعاً محورياً داخل المشهد التجاري الإماراتي، إذ تعد من أكبر أسواق التجزئة في العالم وأكثرها تنوعاً. ويظهر ذلك في استمرار توسع السوق عبر مختلف الفئات، من التسوق اليومي إلى العلامات الفاخرة، ما يمنحه عمقاً كبيراً وقدرة على الصمود أمام التقلبات.
وتشير تقديرات شركة كوشمان آند ويكفيلد إلى أن سوق التجزئة في دبي يدخل عام 2026 بزخم مرتفع ودرجة كبيرة من المرونة، الأمر الذي يضعه ضمن أكثر الأسواق العالمية تنوعاً واستجابة لتغيرات الاستهلاك.
كما يظل قطاع التجزئة الفاخرة أحد أبرز نقاط القوة في الإمارة، حيث يحتل فاشن أفينيو في دبي مول المرتبة الحادية عشرة عالمياً من حيث إيجارات التجزئة، وهو مؤشر على قوة الطلب على المواقع التجارية المتميزة، وعلى استمرار دبي في اجتذاب العلامات الراقية والمتسوقين الدوليين.
التجارة الرقمية تغير شكل التجزئة
أحد أبرز ملامح السوق الإماراتي اليوم هو التداخل المتسارع بين التجزئة التقليدية والتجارة الرقمية. فالتحول لم يعد محصوراً في إنشاء المتاجر الإلكترونية، بل امتد إلى بناء منظومة متكاملة تشمل الدفع الرقمي، والتوصيل السريع، وإدارة المخزون، وتجربة العميل عبر قنوات متعددة.
هذا التكامل أصبح جزءاً أساسياً من نموذج الأعمال لدى العديد من العلامات التجارية العاملة في الدولة، إذ بات المستهلك الإماراتي يتوقع تجربة سلسة تبدأ من البحث عبر المنصات الرقمية وتنتهي باستلام سريع ومرن للمنتج. وفي هذا السياق، يشكل ارتفاع الاعتماد على التطبيقات والخدمات اللوجستية المتطورة عاملاً حاسماً في تعزيز الكفاءة التشغيلية للشركات.
كما تؤكد التقارير المتخصصة أن السوق الإماراتي لم يعد مجرد سوق بيع، بل منصة اختبار وتوسّع للعلامات العالمية التي تبحث عن بيئة مستقرة، ومستهلك واعٍ، وبنية تحتية تساعد على التوسع الإقليمي.
السياحة والإنفاق الاستهلاكي يدعمان النمو
تُعد السياحة أحد أهم روافع قطاع التجزئة في الإمارات، نظراً لتدفق الزوار من مختلف أنحاء العالم طوال العام، إضافة إلى وجود قاعدة سكانية متعددة الجنسيات ذات أنماط استهلاك متنوعة. ويسهم هذا التنوع في خلق طلب مستمر على مختلف فئات السلع، من المنتجات الأساسية إلى السلع الفاخرة.
ويؤكد خبراء القطاع أن قوة الإنفاق المحلي، إلى جانب النشاط السياحي المرتفع، يمنحان السوق الإماراتي قدرة على النمو حتى في فترات التباطؤ العالمي. كما أن ثقة المستهلك واستقرار البيئة الاقتصادية يشكلان عنصرين أساسيين في دعم المبيعات وتعزيز توسع الشركات.
وفي هذا الإطار، يرى مختصون أن الإمارات نجحت في بناء بيئة تجارية تربط بين الجاذبية السياحية وقوة الاستهلاك، وهو مزيج نادر يرفع من إيرادات التجزئة ويزيد من حضور العلامات العالمية في السوق.
العلامات العالمية تراهن على السوق الإماراتي
تتجه العديد من الشركات الدولية إلى تعزيز وجودها في الإمارات باعتبارها بوابة رئيسية نحو أسواق المنطقة. ويعود ذلك إلى موقع الدولة الإستراتيجي بين الشرق والغرب، وإلى السياسات الاقتصادية المنفتحة، وسهولة الوصول إلى شرائح واسعة من المستهلكين.
وقال بي سي مصطفى، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي العالمي لشركة آي دي فريش فود، إن الدولة تجمع بين القوة الشرائية وتنوع الجاليات وتدفقات السياحة، ما يمنح العلامات التجارية فرصاً كبيرة للوصول إلى قاعدة عملاء واسعة ومتنوعة. وأضاف أن البنية المتقدمة لقطاع التجزئة، من مراكز التسوق إلى خدمات التوصيل السريع، توفر بيئة ملائمة للنمو والتوسع.
وأشار أيضاً إلى أن قدرة السوق الإماراتي على التكيف مع التحديات الاقتصادية العالمية تعكس مرونته العالية، فيما يضيف الانفتاح على الابتكار بعداً إضافياً يجعله أكثر جاذبية للشركات الساعية إلى التوسع.
منظومة أعمال متكاملة ترفع تنافسية السوق
من جانبه، أوضح أنيس عبد الرزاق، الشريك المالك في مجموعة الرصاصي ومؤسس علامة كانيزا، أن الإمارات نجحت في ترسيخ موقعها كمركز تجاري رائد بفضل موقعها، وبنيتها التحتية، وقاعدة المستهلكين الدولية، مؤكداً أنها تمثل نقطة انطلاق مهمة للتوسع الإقليمي.
وأضاف أن منظومة التجزئة في الدولة تجمع بين المتاجر الفاخرة والتحول الرقمي السريع، مع تطور واضح في خدمات الدفع ومنصات التجارة الإلكترونية والتوصيل، ما يسمح للعلامات التجارية بالوصول إلى العملاء عبر قنوات متعددة ومترابطة.
كما لفت إلى أن تحويل مراكز التسوق إلى وجهات متكاملة تشمل التسوق والمطاعم والترفيه يعكس تطوراً نوعياً في فهم تجربة المستهلك، حيث لم تعد عملية الشراء معزولة عن بقية عناصر نمط الحياة.
الابتكار الاقتصادي يعزز مكانة الإمارات
يؤكد زيد شبيلات، مدير التسويق في شركة انفوبيب، أن الإمارات أصبحت معياراً عالمياً للابتكار في قطاع التجزئة، بفضل المزج بين القنوات التقليدية والرقمية ضمن نموذج يضع العميل في قلب التجربة. ويربط هذا التطور بالرؤية الاقتصادية العامة للدولة، التي رفعت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من 77% من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أشار إلى أن تجاوز حجم الاقتصاد الإماراتي 1.4 تريليون درهم، وتحقيقه معدلات نمو سنوية تتجاوز 5%، يعكسان نجاح إستراتيجيات التنويع الاقتصادي على المدى الطويل. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو بيئة التجزئة الإماراتية مؤهلة لمزيد من التوسع، خاصة مع استمرار الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية والتجارية.
ومع استمرار هذا المسار، تبدو الإمارات في موقع يسمح لها بالحفاظ على مكانتها بين أكثر أسواق التجزئة ديناميكية في العالم، مستفيدة من نموذج اقتصادي منفتح، ومستوى مرتفع من الجاهزية اللوجستية، وقدرة واضحة على دمج التجارة الرقمية مع التجربة المادية التقليدية.