أكدت وزارة المالية العراقية أن الحكومة تمضي في تنفيذ حزمة من الإصلاحات المالية الهادفة إلى رفع كفاءة الإدارة العامة وزيادة الإيرادات غير النفطية، في إطار توجه أوسع لتقليل الاعتماد على العائدات النفطية وتعزيز الاستدامة المالية.
وتشمل هذه الإصلاحات، بحسب ما جرى طرحه خلال اجتماع مع وفد من البنك الدولي، تحديث الأنظمة المصرفية والضريبية والجمركية، إلى جانب تطوير أدوات التخطيط المالي بما يتماشى مع أولويات البرنامج الحكومي والاحتياجات الاقتصادية الراهنة.
توجه نحو إدارة مالية أكثر كفاءة
ترى بغداد أن إصلاح الإدارة المالية يمثل مدخلاً أساسياً لتحسين الأداء الاقتصادي العام، خصوصاً في بيئة تتطلب ضبط الإنفاق وتحسين تحصيل الإيرادات وتوسيع قاعدة الموارد غير النفطية. ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه الاقتصاد العراقي تحديات مرتبطة بتذبذب أسعار الطاقة وارتفاع الحاجة إلى موارد أكثر استقراراً.
وتركز الحكومة على إعادة تنظيم أدوات التحصيل المالي، وتحديث البنية المؤسسية للوزارات والجهات ذات الصلة، بما يسمح برفع مستوى الشفافية وتحسين القدرة على المتابعة والرقابة، إضافة إلى تعزيز الكفاءة في إدارة الأموال العامة.
دور البنك الدولي في الدعم الفني
بحث وزير المالية العراقي مع ممثلي البنك الدولي مجالات التعاون الممكنة، خصوصاً في ما يتعلق بالدعم الفني وبناء القدرات المؤسسية. ويشمل هذا التعاون المساعدة في إعداد السياسات المالية، وتقديم الاستشارات المتخصصة، ودعم المشاريع التنموية التي يمكن أن تسهم في تحفيز الاستثمار وخلق فرص اقتصادية جديدة.
كما جدد وفد البنك الدولي دعمه لجهود الحكومة العراقية في تنفيذ البرامج الإصلاحية ذات الصلة بالملف المالي والاقتصادي، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق بين الجانبين لضمان تحويل الخطط إلى نتائج عملية قابلة للقياس.
الموازنة المقبلة تحت المجهر
أحد المحاور الرئيسية في النقاشات تمثل في آليات التعاون لإعداد الموازنة العامة المقبلة. وتولي بغداد هذه المسألة أهمية كبيرة، لأن جودة إعداد الموازنة تحدد إلى حد بعيد قدرة الدولة على توجيه الإنفاق نحو القطاعات الأكثر أولوية، مثل الخدمات الأساسية والبنية التحتية والتنمية.
وتسعى وزارة المالية إلى أن تكون الموازنة المقبلة أكثر انسجاماً مع متطلبات الاستدامة المالية، عبر تحسين التخطيط وتقدير الإيرادات بدقة أكبر، إلى جانب الحد من الهدر وضمان تخصيص الموارد بصورة أكثر فعالية في ظل المتغيرات الاقتصادية.
الإيرادات غير النفطية في صدارة الأولويات
يمثل رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية هدفاً محورياً في المسار الإصلاحي العراقي. فاعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على النفط يجعله أكثر عرضة للصدمات الخارجية، سواء المرتبطة بالأسعار أو بالإنتاج أو بالتطورات الجيوسياسية.
ومن هنا تأتي أهمية تحديث النظام الضريبي وتعزيز كفاءة التحصيل الجمركي وتوسيع مجالات التحصيل من الأنشطة الاقتصادية المختلفة، بما يضمن موارد أكثر تنوعاً ويمنح المالية العامة قدراً أكبر من المرونة.
كما أن تحسين الإيرادات غير النفطية يفتح المجال أمام الدولة لتوسيع قدرتها على تمويل المشاريع التنموية دون ضغط كبير على الموازنة، وهو ما يعزز الثقة في البيئة الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل.
تحديث المصارف والضرائب والجمارك
يشكل تحديث الأنظمة المصرفية جزءاً مهماً من الإصلاحات، لأن القطاع المصرفي الفعّال يعد أساساً لأي عملية تحوّل اقتصادي أو رقمي. ويشمل ذلك رفع كفاءة الخدمات المالية، وتطوير أدوات الدفع والتحصيل، وتحسين قدرة المصارف على مواكبة متطلبات السوق.
أما في الملف الضريبي، فإن الهدف لا يقتصر على زيادة الإيرادات فحسب، بل يمتد إلى بناء نظام أكثر عدالة ووضوحاً وسهولة في التطبيق. وفي الملف الجمركي، تسعى الحكومة إلى تعزيز الانضباط في المنافذ وتحسين آليات المتابعة والرقابة، بما يساعد على تقليص الفاقد وزيادة كفاءة التحصيل.
وتتداخل هذه المسارات مع التحول نحو إدارة اقتصادية أكثر حداثة، تعتمد على البيانات والرقمنة وتنسيق أفضل بين المؤسسات، وهو ما ينسجم مع اتجاهات الاقتصاد الرقمي في تحديث الخدمات الحكومية.
أثر الإصلاحات على البيئة الاستثمارية
يرى مراقبون أن نجاح الإصلاحات المالية يمكن أن ينعكس مباشرة على مناخ الاستثمار في العراق، إذ إن وضوح القواعد المالية وتحسن إدارة الموارد يبعثان رسائل إيجابية للمستثمرين المحليين والأجانب.
كما أن تحسين البيئة المؤسسية والحد من التعقيدات الإدارية قد يسهمان في تسهيل تنفيذ المشاريع التنموية وتحفيز تدفق رؤوس الأموال إلى قطاعات الإنتاج والخدمات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تنويع مصادر النمو وتوسيع فرص العمل.
ويبدو أن الربط بين الإصلاح المالي والدعم الفني الدولي يهدف إلى بناء إطار أكثر استقراراً للسياسات الاقتصادية، بما يساعد على تعزيز الثقة في قدرة الدولة على إدارة الموارد بكفاءة أعلى.
استدامة مالية في ظل تحولات اقتصادية
تأتي هذه التحركات في سياق اقتصادي إقليمي ودولي متغير، حيث تواجه الدول المصدرة للنفط ضغوطاً متزايدة لتعزيز مصادر الدخل الأخرى وتطوير أدوات الحوكمة المالية. وفي هذا السياق، تراهن بغداد على أن الإصلاح التدريجي والمدعوم بخبرة دولية يمكن أن يخلق قاعدة أكثر صلابة للنمو.
ومع استمرار العمل على تحسين الموازنة وتطوير الإدارة المالية والأنظمة المرتبطة بالتحصيل والإنفاق، يظل التحدي الأساسي هو تحويل هذه الخطط إلى نتائج ملموسة يشعر بها الاقتصاد الحقيقي، سواء عبر زيادة الإيرادات أو دعم المشاريع أو تحسين جودة الخدمات العامة.