هبوط حاد في العملة الكورية
سجل الوون الكوري الجنوبي تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار الأميركي، ليهبط إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من شهرين، في انعكاس مباشر لارتفاع المخاوف في الأسواق العالمية بعد تجدد الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران. وبدأت الجلسة عند مستوى 1530.8 وون للدولار، منخفضة بنحو 13.6 وون عن الإغلاق السابق، قبل أن تقلص العملة بعض خسائرها لاحقاً.
وجاء التحسن النسبي بعد تصريحات من وزير المالية الكوري كو يون تشول، الذي أكد استعداد السلطات للتدخل إذا تحولت التحركات في سوق الصرف إلى تقلبات مفرطة. كما أشار إلى أن الحكومة تتابع عن كثب مسار التداول، وأنها قد تتخذ إجراءات موازية للحد من الاضطراب في سوق السندات أيضاً.
وبلغ تداول الوون صباحاً مستوى 1527.40 وون للدولار، لكنه ظل أضعف بكثير من المستويات التي حافظ عليها خلال الأسابيع الماضية. ويُنظر إلى الهبوط دون مستوى 1530 وون للدولار على أنه إشارة مهمة، لأنه يعكس اختراقاً فنياً ونفسياً لمستوى تداول لم يُسجل منذ أواخر مارس.
ورغم هذا التراجع، بقي سعر الصرف فوق حاجز 1500 وون للدولار في الإغلاق، وهو مستوى يعتبره المتعاملون علامة فارقة في تقييم قوة العملة الكورية. واستمر هذا الاستقرار النسبي فوقه للجلسة الثانية عشرة على التوالي، ما يشير إلى أن السوق ما زالت تتحرك بين ضغوط خارجية وتدخلات لفظية من السلطات.
وتعرضت العملة الكورية كذلك لضغط إضافي مع صعود أسعار النفط عالمياً، إذ عززت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والطاقة. وفي مثل هذا المناخ، تميل العملات الآسيوية المرتبطة بالتجارة العالمية إلى التراجع مع اتساع موجة الابتعاد عن الأصول الأعلى مخاطرة.
الأسهم الكورية تتراجع عن قممها الأخيرة
لم يقتصر الضغط على سوق الصرف، بل امتد إلى الأسهم الكورية الجنوبية التي أنهت الجلسة على انخفاض حاد، مبتعدة عن مستوياتها القياسية الأخيرة. وتزايدت عمليات البيع مع تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة وازدياد القلق من أن تتسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط بما ينعكس على النمو العالمي وسلاسل الإمداد.
وهبط مؤشر كوسبي القياسي 162.08 نقطة، بما يعادل 1.84 في المائة، ليغلق عند 8639.41 نقطة. وخلال الجلسة نفسها، وصل التراجع إلى 2.6 في المائة قبل أن تقل بعض الخسائر في نهاية التداول. ويكتسب هذا الهبوط أهمية خاصة لأنه جاء بعد يومين فقط من تسجيل المؤشر إغلاقاً قياسياً، بينما كانت الأسواق مغلقة في اليوم التالي بسبب عطلة رسمية.
وتعرضت أسهم الشركات الكبرى لضغوط واضحة، إذ هبط سهم سامسونغ إلكترونيكس 2.50 في المائة، وتراجع سهم إس كيه هاينكس 2.63 في المائة، بينما خسر سهم إل جي إنرجي سوليوشن 4.63 في المائة. كما انخفض سهم هيونداي موتور 3.98 في المائة، وتراجع سهم كيا 2.67 في المائة، في دلالة على أن موجة البيع شملت قطاعات التكنولوجيا والسيارات والطاقة.
في المقابل، سجل سهم بوسكو القابضة ارتفاعاً نسبته 0.75 في المائة، فيما انخفض سهم سامسونغ بيولوجيكس 1.24 في المائة. وعلى مستوى السوق الأوسع، كانت صورة الأداء متقاربة للغاية، مع ارتفاع 447 سهماً مقابل تراجع 446 سهماً من أصل 924 سهماً متداولة، ما يعكس حالة تردد واضحة لدى المستثمرين.
كما أظهرت البيانات استمرار خروج الأموال الأجنبية من السوق، إذ سجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات بقيمة 7 تريليونات وون، أي نحو 4.57 مليار دولار. ويُعد هذا الحجم من البيع من العوامل التي تضيف ثقلاً مضاعفاً على السوق المحلية، لأنه يضغط في وقت واحد على الأسهم وسعر الصرف وتوقعات السيولة.
ارتفاع في عوائد السندات تحت ضغط المخاطر
انتقلت آثار التوترات العالمية أيضاً إلى سوق السندات الكورية، حيث ارتفعت العوائد مع تزايد القلق من التضخم ومن تشدد المستثمرين تجاه الأصول طويلة الأجل. وصعد عائد السندات الحكومية لأجل ثلاث سنوات بمقدار 8.4 نقطة أساس ليصل إلى 3.858 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل عشر سنوات بمقدار 10.4 نقطة أساس إلى 4.229 في المائة.
وعادة ما تعني هذه الحركة أن المستثمرين يطلبون تعويضاً أعلى للاحتفاظ بالسندات في بيئة تتزايد فيها الشكوك. كما أن صعود النفط يضيف طبقة أخرى من المخاوف، لأن أي استمرار في ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد الضغوط على معدلات التضخم وعلى تكلفة التمويل في الاقتصاد الكوري، وهو اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية والاستيراد.
وتأتي هذه التطورات بينما تراقب الأسواق الكورية، مثل غيرها من الأسواق الآسيوية، انعكاسات التوتر الجيوسياسي على التدفقات المالية العالمية. فكل تصعيد جديد في الشرق الأوسط ينعكس عادة على الدولار الأميركي، وعلى تدفقات رؤوس الأموال نحو الملاذات الآمنة، وهو ما يضع العملات والأسهم الناشئة تحت مزيد من الضغط.
قراءة أوسع في دلالات الحركة السوقية
تعكس الحركة الأخيرة في كوريا الجنوبية أكثر من مجرد جلسة مضطربة؛ فهي تقدم مثالاً عملياً على الترابط بين الجغرافيا السياسية والأسواق المالية. فالتوترات العسكرية لا تؤثر فقط على أسعار النفط، بل تمتد إلى عملات آسيا، والتقييمات السوقية للشركات، وتوقعات العائد على السندات، وهو ما يخلق سلسلة من ردود الفعل المتشابكة داخل الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
وفي الحالة الكورية، يتضاعف الأثر بسبب ثقل قطاعي التكنولوجيا والصناعة في المؤشرات المحلية. فالشركات الكبرى المرتبطة بالرقائق والبطاريات والسيارات تُعد من أكثر القطاعات حساسية لحركة رأس المال العالمي، وأي تصاعد في القلق يدفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم بسرعة. كما أن هيمنة المستثمرين الأجانب على جزء مهم من التداولات تجعل السوق أكثر تأثراً بتغير المزاج الدولي.
وتُظهر تحركات الخميس أن الأسواق ما زالت تتعامل مع مزيج معقد من العوامل: تصعيد عسكري، صعود النفط، خروج الأجانب، وارتفاع العوائد. وفي هذا السياق، تصبح التصريحات الرسمية حول الاستعداد للتدخل مهمة لتهدئة التوقعات، لكنها لا تكفي وحدها ما لم يهدأ التوتر الخارجي وتعود شهية المخاطرة إلى مستويات أكثر استقراراً.
وبينما يواصل الوون الكوري التداول تحت ضغط الأحداث الإقليمية والعالمية، تبقى الأنظار موجهة إلى ما إذا كانت الأسواق ستشهد هدنة قصيرة أو استمراراً في النبرة الدفاعية. وحتى ذلك الحين، يبدو أن المستثمرين في سيول سيظلون يتعاملون مع سوق تتغير أولوياتها بسرعة من مكاسب الشركات إلى حماية رأس المال.