تباطؤ سنوي للشهر الثاني
أظهرت البيانات الرسمية في مصر أن معدل التضخم السنوي واصل التراجع في مايو، مسجلاً 14.6% مقابل 14.9% في أبريل. وبذلك يواصل المؤشر مساره الهابط للشهر الثاني على التوالي، في إشارة إلى بعض الانفراج النسبي في وتيرة ارتفاع الأسعار، رغم استمرار عوامل ضغط داخلية وخارجية.
ويعني هذا التراجع أن الأسعار ما زالت ترتفع، لكن بوتيرة أبطأ مقارنة بالأشهر السابقة. ويُعد هذا التطور مهماً للمستهلكين وصناع القرار على حد سواء، لأنه يعكس درجة التحسن أو التباطؤ في الضغوط التضخمية التي تؤثر في القوة الشرائية والإنفاق والاستثمار.
في المقابل، أظهر القياس الشهري للتضخم صورة مختلفة نسبياً، إذ ارتفع المؤشر 1.6% خلال مايو بعد أن كان 1.1% في أبريل. وهذا يشير إلى أن التهدئة السنوية لا تمنع ظهور موجات ارتفاع جديدة خلال بعض الأشهر، خصوصاً عندما تكون الأسعار المحلية مرتبطة بعوامل موسمية أو بتغيرات في تكاليف السلع والخدمات.
ضغوط الطاقة والنقل والخدمات
جاء تباطؤ التضخم السنوي في وقت ما تزال فيه الأسواق المصرية تتعامل مع آثار زيادات سابقة في أسعار الوقود والغاز والخدمات المرتبطة بالطاقة. فقد رفعت الحكومة منذ أواخر فبراير أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30%، كما شهدت خدمات الاتصالات زيادة وصلت إلى 15%، إلى جانب تعديل أسعار توريد الغاز الطبيعي لبعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
هذه التحركات انعكست على تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، وهي حلقات غالباً ما تنتقل آثارها سريعاً إلى أسعار السلع النهائية. لذلك، فإن أي استقرار لاحق في التضخم لا يعني بالضرورة اختفاء الضغوط، بل قد يعكس فقط أن أثر الزيادات الحادة السابقة بدأ يتوزع على فترة أطول أو أن بعض الأسعار وصلت إلى مستويات أكثر ثباتاً.
وتزامنت هذه التطورات مع استمرار تأثير التوترات الإقليمية على أسواق الطاقة، ما زاد الأعباء على الحكومات المستوردة للنفط والغاز، ومنها مصر. ومع ارتفاع تكلفة الاستيراد، تتعرض السياسة الاقتصادية لضغط مزدوج: الحفاظ على استقرار الأسعار من جهة، وتجنب اتساع العجز المالي من جهة أخرى.
تحسن نسبي في بعض أسعار الغذاء
من العوامل التي ساعدت على التخفيف من الضغوط التضخمية خلال مايو، تراجع أسعار عدد من السلع الغذائية مع تحسن المعروض المحلي. ويُعد الغذاء من أكثر البنود تأثيراً في سلة التضخم، لا سيما لدى الشرائح الأكثر حساسية لتغير الأسعار اليومية.
وعندما يتراجع سعر الغذاء أو تستقر بعض الأصناف الأساسية، ينعكس ذلك سريعاً على المزاج الاستهلاكي وعلى قراءة المؤشرات الشهرية. لكن هذا التأثير يظل هشاً إذا استمرت التكاليف الأخرى، مثل الطاقة والنقل والتمويل، في الارتفاع أو بقيت معرضة للتقلبات.
لذلك تبدو قراءة مايو مزيجاً من إشارات إيجابية محدودة وضغوط هيكلية مستمرة. فهناك تحسن نسبي في بعض السلع، لكنه لا يلغي أثر ارتفاعات سابقة في بنود رئيسية ترتبط بالإنتاج والخدمات المنزلية والاتصالات.
ما الذي تعنيه البيانات للسياسة الاقتصادية؟
تراجع التضخم السنوي يمنح صناع السياسة الاقتصادية مساحة أوسع للموازنة بين تثبيت الأسعار ودعم النمو. كما يتيح للمؤسسات المالية والشركات والمستهلكين بناء توقعات أكثر وضوحاً بشأن مسار تكاليف الاقتراض والإنفاق خلال النصف الثاني من العام.
ومع ذلك، فإن الارتفاع الشهري إلى 1.6% يذكّر بأن الطريق نحو استقرار الأسعار لا يزال غير مكتمل. فنجاح أي جهد لكبح التضخم لا يعتمد فقط على تراجع القراءة السنوية، بل أيضاً على استمرار السيطرة على التكاليف الأساسية، وتحسن سلاسل الإمداد، وتراجع الضغوط الخارجية المرتبطة بالطاقة والسلع المستوردة.
في هذا السياق، تصبح مراقبة اتجاهات الأسعار الغذائية والطاقة والخدمات أمراً أساسياً لفهم المسار المقبل للتضخم. فإذا استقرت هذه البنود أو تراجعت كلفتها، قد يواصل المؤشر السنوي الهبوط. أما إذا عادت موجات الارتفاع نتيجة التقلبات العالمية أو المحلية، فقد تتباطأ وتيرة التحسن من جديد.
توقعات المؤسسات الدولية
كان صندوق النقد الدولي قد توقع أن يبلغ متوسط التضخم في مصر 13.2% خلال 2026، مع رفع تقديراته السابقة بمقدار 1.4 نقطة مئوية. وتعكس هذه المراجعة أن التوقعات تبقى مرتبطة بدرجة عالية من عدم اليقين، خاصة في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتغيرات أسعار الطاقة العالمية.
وتُظهر هذه التقديرات أيضاً أن مسار التضخم في مصر لا يُقاس فقط بالسياسات المحلية، بل يتأثر كذلك بعوامل خارجية تشمل كلفة الاستيراد، وسعر الصرف، وتكاليف التمويل، والتقلبات في أسواق النفط والغاز. ومن ثم، فإن أي قراءة شهرية إيجابية يجب أن تُفهم ضمن صورة أوسع لا تزال معقدة.
وفي ضوء البيانات الجديدة، تبدو مصر في مرحلة انتقالية بين ضغوط ارتفاع الأسعار التي سادت في الفترة الماضية، ومحاولة أكثر اتزاناً لإعادة ضبط الإيقاع التضخمي. لكن استمرار هذا التباطؤ سيعتمد على قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، وتحقيق استقرار أكبر في تكلفة الطاقة، والحفاظ على تدفق السلع الأساسية إلى السوق المحلية.