الأعمال والاقتصاد الرقمي 12-Jun-2026 5 دقائق قراءة

البنك الأوروبي لإعادة الإعمار يخفض توقعات النمو مع تصاعد صدمة الطاقة وتبدل أنماط الصادرات

خفض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تقديراته لنمو اقتصادات 41 دولة في 2026 مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، في وقت تتسع فيه آثار التضخم وتتحول فيه بعض الصادرات نحو قطاعات أقل كثافة في استهلاك الطاقة، بما فيها الذكاء الاصطناعي.

خفض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية توقعاته لنمو الاقتصادات التي يغطيها في العام الجاري، في إشارة جديدة إلى استمرار الضغوط التي تفرضها أسعار الطاقة المرتفعة واضطرابات الإمداد على عدد كبير من الأسواق النامية والناشئة. ويأتي هذا التعديل في وقت تتقاطع فيه عوامل الجغرافيا السياسية مع هشاشة بيئة الأعمال، ما يزيد تعقيد مسار التعافي الاقتصادي في عدة دول.

وبحسب تقديرات المؤسسة، يُنتظر أن تنمو اقتصادات 41 دولة ضمن نطاق عملها بمعدل 3.1 في المائة هذا العام، أي أقل بنحو 0.5 نقطة مئوية من تقديراتها السابقة الصادرة في فبراير. ويعكس هذا الخفض اتساع أثر ما وصفه خبراء البنك بصدمة الطاقة المستمرة، إلى جانب التراجع في ثقة الصناعات التحويلية الأوروبية، وارتفاع التضخم، وتزايد كلفة الاقتراض.

تباطؤ واسع في اقتصادات رئيسية

التعديل لم يأتِ متساوياً بين الدول، إذ شمل خفضاً واضحاً في توقعات عدد من الاقتصادات الأبرز داخل نطاق البنك. ومن بين أكثر الحالات تأثراً تركيا وأوكرانيا ومصر، فيما شهدت لبنان والعراق أكبر المراجعات النزولية. فقد جرى خفض التوقعات للبنان ست نقاط مئوية، وللعراق 5.1 نقطة مئوية، مع توقع انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 2 في المائة، والعراقي بنسبة 1.5 في المائة خلال العام الحالي.

هذا التفاوت في الأداء يعكس اختلاف قدرة الاقتصادات على امتصاص صدمات الطاقة والتمويل والتجارة. فالدول التي تعتمد على واردات الطاقة أو تواجه اختناقات في الموازنة العامة أو ضغوطاً أمنية وسياسية تبدو الأكثر عرضة لارتدادات التباطؤ، خصوصاً عندما تتزامن هذه العوامل مع ضعف الطلب الخارجي وتراجع الاستثمارات الخاصة.

صدمة الطاقة تعيد تشكيل القرارات الاقتصادية

قالت كبيرة خبراء الاقتصاد في البنك، بياتا يافورتشيك، إن التقرير الحالي يختصر قصة استمرار صدمة الطاقة، موضحة أن هذه الصدمة جاءت في توقيت حساس للاقتصاد الأوروبي، حين كانت المعنويات في قطاع التصنيع أصلاً ضعيفة. ويشير ذلك إلى أن آثار ارتفاع أسعار الطاقة لم تعد محصورة في فاتورة الاستهلاك، بل امتدت إلى خطط الإنتاج والتوظيف والاستثمار في عدد من القطاعات.

ورغم أن أسعار الطاقة هذا العام بقيت أقل من القفزة الحادة التي أعقبت حرب روسيا وأوكرانيا في 2022، فإن أسعار الغاز في أوروبا ما زالت تقارب خمسة أضعاف مستوياتها في الولايات المتحدة. وهذه الفجوة تضعف تنافسية الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتدفع بعض الشركات إلى مراجعة مواقع إنتاجها أو إعادة توجيه صادراتها نحو قطاعات أقل تكلفة وأكثر مرونة.

وفي العام الماضي، سجلت اقتصادات منطقة البنك نمواً بلغ 3.4 في المائة، متجاوزة التوقعات بفضل سرعة التكيف مع الاضطرابات الجمركية والتجارية. إلا أن هذا الزخم لم يثبت بالقدر نفسه في 2026، مع اتساع دائرة الضغوط من الطاقة إلى التمويل ثم إلى الاستهلاك المحلي.

التضخم والديون تحت ضغط جديد

أظهر التقرير أيضاً أن معدل التضخم في اقتصادات البنك ارتفع بمقدار 1.2 نقطة مئوية بين فبراير وأبريل ليصل إلى 6.4 في المائة في المتوسط. وتُعد هذه الزيادة مقلقة بشكل خاص للاقتصادات منخفضة الدخل، حيث ترتفع حساسية الأسر لأسعار الغذاء والطاقة، وتكون قدرة السياسات العامة على التعويض محدودة نسبياً.

وحذر البنك من أن أي موجة إضافية في أسعار المواد الغذائية، خاصة إذا تأثرت المحاصيل بارتفاع كلفة الأسمدة، قد تضاعف الضغوط على الاقتصادات الأضعف. كما أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يعني أن التضخم لم يعد يؤدي بالضرورة إلى خفض نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي كما حدث في بعض الفترات بعد جائحة كوفيد-19، وهو ما يجعل هوامش المناورة المالية أضيق بكثير.

هذا التطور يحمل دلالات مباشرة لمديري الأعمال والمستثمرين، لأنه يرفع كلفة التمويل ويؤثر في قرارات التسعير وحجم المخزون وسلاسل التوريد. ومع تباطؤ الطلب وارتفاع الكلفة في آن واحد، تصبح بيئة التشغيل أكثر تعقيداً للشركات الصغيرة والمتوسطة على وجه الخصوص.

تحول في خريطة الصادرات نحو الذكاء الاصطناعي

من أبرز ما لفت إليه التقرير أن ارتفاع تكاليف الطاقة بدأ يدفع الصادرات بعيداً عن القطاعات الثقيلة الاستهلاك للطاقة، في مقابل نمو أسرع في الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من مناطق عمل البنك. ويشير هذا التحول إلى أن الاقتصاد العالمي يعيد توزيع فرصه نحو الصناعات الرقمية والخدمات المعتمدة على المعرفة والبيانات، بدلاً من الأنشطة التقليدية عالية الاستهلاك للطاقة.

هذا التغير لا يعني أن التحول الرقمي حلّ محل الصناعة التقليدية، لكنه يوضح أن الميزة التنافسية باتت ترتبط بشكل أكبر بالكفاءة التكنولوجية والقدرة على الابتكار. وفي بيئة تتسم بتفاوت أسعار الطاقة وارتفاع الفوائد، تبدو القطاعات الرقمية أقل تعرضاً لبعض المخاطر التي تضغط على الصناعة الثقيلة.

كما أفاد البنك بأن قرابة ثلثي اقتصادات المؤسسة، ونحو ربع اقتصادات العالم، اتخذت إجراءً واحداً على الأقل لتوفير الطاقة أو دعم المستهلكين استجابة لارتفاع الأسعار. غير أن هذه التدابير، رغم ضرورتها الاجتماعية، قد تحمل آثاراً جانبية إذا تحولت إلى دعم طويل الأجل يضعف الحوافز على ترشيد الاستهلاك أو تحديث البنية التحتية.

سياسات الدعم والجدل حول الاستدامة

حذرت يافورتشيك من أن خفض أو إلغاء الضرائب على الوقود قد يضعف الدافع إلى تقليل الاستهلاك، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم النقص لاحقاً. وتبرز هنا المفارقة التي تواجهها الحكومات: فالتخفيف المؤقت عن المستهلكين قد يكون ضرورياً اجتماعياً، لكنه إذا استمر طويلاً قد يبطئ التحول إلى كفاءة أعلى في استخدام الطاقة.

وبالنسبة لقطاع الأعمال، تعني هذه المعادلة أن السياسات المتعلقة بالطاقة لم تعد مجرد ملف بيئي أو اجتماعي، بل عنصر أساسي في القدرة التنافسية والاستثمار. فكلما زادت الضبابية حول أسعار الوقود والكهرباء والدعم الحكومي، زادت تكلفة التخطيط طويل الأجل، وارتفع الميل إلى تأجيل المشاريع أو إعادة توزيعها جغرافياً.

قراءة اقتصادية أوسع للعام المقبل

النتيجة الأساسية التي يقدمها تقرير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية هي أن النمو في عدد كبير من الاقتصادات الناشئة لم يعد رهناً بالطلب فقط، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة هذه الدول على إدارة صدمات الطاقة والتضخم والتمويل في الوقت نفسه. وفي بيئة كهذه، تتقدم القطاعات الرقمية والمرنة، بينما تظل الصناعات المكلفة بالطاقة أكثر عرضة للضغط.

ومع استمرار تقلبات الأسواق العالمية، يظل السؤال الأهم للشركات وصناع السياسات هو كيفية تحقيق توازن بين حماية المستهلكين والحفاظ على الانضباط المالي، وبين دعم القطاعات المتضررة وتسريع التحول نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الطاقة المرتفعة الكلفة. وبناءً على المؤشرات الحالية، يبدو أن هذا التوازن سيظل أحد أبرز تحديات 2026.