الأعمال والاقتصاد الرقمي 12-Jun-2026 6 دقائق قراءة

ارتفاع رسوم استيراد الذهب في الهند يعيد تنشيط التهريب ويضغط على السوق الرسمية

أدت زيادة الرسوم الجمركية على واردات الذهب في الهند إلى توسيع الفجوة بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية، ما أعاد التهريب إلى الواجهة وهدد بتجاوز الكميات غير القانونية 100 طن هذا العام. وتكشف التطورات عن ضغط متزايد على البنوك والمصافي الشرعية وسط هوامش ربح مرتفعة في السوق السوداء.

رسوم مرتفعة وفجوة سعرية واسعة

أدى رفع الهند الرسوم على واردات الذهب إلى مستوى 15 في المائة إلى تغيير واضح في ديناميكيات السوق. فبدلاً من أن يحد القرار من الطلب فقط، خلق هوامش ربح كبيرة للمهربين، وجعل المعدن النفيس أكثر عرضة للانتقال إلى القنوات غير الرسمية. وبحسب تقديرات تجار ومتعاملين في القطاع، فإن الواردات غير القانونية قد تتجاوز 100 طن متري خلال العام الجاري إذا استمرت المستويات الحالية للرسوم والخصومات في السوق السوداء.

وتُعد الهند ثاني أكبر سوق للذهب في العالم بعد الصين، ما يجعل أي تغيير في سياساتها الجمركية مؤثراً على أسواق التصدير والاستيراد وشبكات التكرير والتمويل. وقد رفعت نيودلهي الرسوم في مايو بهدف كبح الطلب وتقليص العجز التجاري والحد من الضغط على الروبية، لكن النتيجة غير المتوقعة كانت اتساع الفارق بين السعر الرسمي وسعر التهريب.

ويقول متعاملون إن المهربين باتوا قادرين على عرض أسعار أقل من تلك التي توفرها البنوك ومصافي التكرير الشرعية، لأنهم لا يدفعون الرسوم الجمركية ولا ضريبة السلع والخدمات المرتبطة بالاستيراد. هذا الفارق أعاد تشكيل حوافز السوق، ورفع جاذبية القنوات غير النظامية في وقت تضيق فيه هوامش الربح على المستوردين القانونيين.

أرباح كبيرة تدفع النشاط غير الرسمي

تشير تقديرات العاملين في القطاع إلى أن الخصم المعروض في السوق السوداء تجاوز 200 دولار للأونصة، أي ما يزيد على 4 في المائة من السعر، وهو مستوى يصعب على البنوك منافسته. وحتى الخصومات الصغيرة التي يمكن للمستوردين النظاميين تقديمها، مثل 10 دولارات للأونصة، تبدو محدودة أمام هذا الفارق الكبير.

وبحسب أحد التجار، فإن هامش الربح قد يصل إلى أكثر من 2.5 مليون روبية لكل كيلوغرام واحد من الذهب، وهو ما يفسر إقبال بعض الشبكات على المخاطرة. وفي سوق منخفضة المرونة مثل الذهب، يكفي فارق سعري محدود نسبياً لتحويل جزء مهم من الطلب إلى المسارات غير القانونية، خصوصاً عندما تكون الرسوم والضرائب النهائية مرتفعة بهذا الشكل.

ويضيف متعاملون آخرون أن الخصم حتى لو كان عند مستوى 4 في المائة يبقى جذاباً للغاية، لأن الكميات المتداولة كبيرة والقيمة المضافة على كل شحنة مرتفعة. وهذا ما يجعل التهريب نشاطاً منظمًا وليس مجرد استثناءات فردية، بل جزءاً من اقتصاد موازٍ يتغذى على الفجوة الضريبية والتنظيمية.

تأثير مباشر على البنوك والمصافي

لم يقتصر أثر الزيادة الجمركية على رفع نشاط التهريب، بل امتد إلى إرباك التجارة النظامية. فقد تراجعت مشتريات البنوك ومصافي التكرير من الخارج مع اتساع الخصومات في السوق غير الرسمية، إذ لم يعد الاستيراد القانوني مجدياً بالدرجة نفسها السابقة. ووفق تقديرات من السوق، فإن واردات الهند من الذهب في مايو هبطت على الأرجح إلى نحو النصف مقارنة بشهر أبريل، بعد أن بلغت 45.6 طن في أبريل.

كما أوضح عاملون في التكرير أن بيع المخزونات التي تم استيرادها قبل رفع الرسوم بأسعار أقل زاد الضغط على الهوامش، ما جعل بعض عمليات التكرير غير ذات جدوى اقتصادية. وفي الحالات التي تتجاوز فيها الخصومات نسبة هامش الربح المعتادة للمصافي، تفقد الشركات الحافز للاستيراد، حتى لو ظل الطلب الفعلي قائماً في السوق المحلية.

وتزداد المشكلة تعقيداً لأن الرسوم المفروضة على الذهب المكرر أعلى من الرسوم على خام الذهب شبه النقي، ما يضيف طبقة أخرى من الفوارق السعرية. ومع ذلك، فإن التغيرات الجمركية الأخيرة أثرت أيضاً في الخام، ولم تعد المزايا النسبية كافية لتعويض الفجوة المتسعة بين القنوات الرسمية وغير الرسمية.

تراجع التهريب سابقاً ثم عودته بقوة

البيانات المتاحة تُظهر أن تهريب الذهب إلى الهند انخفض بوضوح بعد خفض الرسوم في الفترة الماضية. فقد هبطت الكميات المهربة من 156.1 طن في 2023 إلى 69.2 طن في العام التالي، ثم إلى 20.4 طن في 2025. لكن هذا التراجع كان مرتبطاً بالسياسة الجمركية الأقل تشدداً، لا بانحسار دائم في شبكات التهريب.

وعلى مدى العقد الماضي، كان متوسط الكميات المهربة نحو 108 أطنان سنوياً، وفق مجلس الذهب العالمي، ما يشير إلى أن السوق لديه قابلية تاريخية للعودة بسرعة إلى النشاط غير الرسمي عندما تتوفر الحوافز. وبكلمات أخرى، فإن التشدد الضريبي من دون رقابة ميدانية فعالة قد يدفع الطلب إلى خارج النظام بدل أن يحده فعلياً.

وفي هذا السياق، فإن أي تراجع في الواردات الرسمية ينعكس على الإيرادات الحكومية وعلى قدرة المؤسسات المالية الشرعية على تمويل التجارة وتوفير الإمدادات. كما أن استمرار الفجوة السعرية يمنح المهربين ميزة تنافسية يصعب كسرها بمجرد تعديل محدود في الرسوم أو الخصومات.

كلفة اقتصادية أوسع على الإيرادات والتجارة

إذا وصلت الكميات غير القانونية إلى 100 طن في 2026، فإن القيمة السوقية لهذه الكمية قد تبلغ نحو 14.35 مليار دولار. وبحساب الرسوم والضرائب المفقودة، قد تخسر الخزانة الهندية ما يقرب من 2.65 مليار دولار. وهذه ليست خسارة مالية فقط، بل أيضاً إضعاف لفعالية السياسة التجارية التي هدفت أساساً إلى تقليص العجز ودعم العملة المحلية.

كما أن التحول إلى التهريب يخلق آثاراً جانبية على سلسلة القيمة بأكملها، من البنوك المستوردة إلى المصافي وشركات التجزئة والمستهلكين. وعندما يتوسع الاقتصاد الموازي، يصبح من الصعب جمع بيانات دقيقة عن الطلب الحقيقي، ما يربك التخطيط التجاري والضريبي ويُصعّب إدارة المخزون والاستيراد.

وتُظهر الحالة الهندية كيف يمكن لقرار ضريبي واحد أن يعيد تشكيل سوق كاملة إذا لم تُصمم الحوافز بعناية. فالهدف من كبح الاستهلاك وتقليص العجز التجاري قد يتحول إلى نتيجة عكسية عندما يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق غير النظامية. وفي سوق بحجم سوق الذهب في الهند، يكفي هذا الفارق لإعادة تنشيط شبكات التهريب وفرض ضغوط جديدة على الاقتصاد الرسمي.

اختبار لسياسة الرسوم في الأسواق الناشئة

تسلط التجربة الضوء على معضلة أوسع تواجه كثيراً من الأسواق الناشئة: كيف يمكن استخدام الرسوم الجمركية كأداة لضبط الاستيراد من دون دفع النشاط إلى قنوات موازية. فكلما ارتفعت الضرائب بشكل حاد، زادت الحوافز للالتفاف عليها، خاصة في السلع عالية القيمة وسهلة النقل مثل الذهب.

ومن هنا، تبدو المسألة في الهند مرتبطة أكثر بتوازن السياسة من كونها مجرد مشكلة رقابة. فنجاح الإجراءات المقبلة سيتوقف على قدرة السلطات على تقليص الفجوة السعرية، وتشديد المتابعة الجمركية، والحفاظ في الوقت نفسه على استقرار السوق النظامية. وإلا فإن التهريب قد يبقى المستفيد الأكبر من سياسة صُممت أصلاً لتقليص الطلب.