13-Jun-2026 5 دقائق قراءة

البنك الدولي يتوقع تباطؤ نمو إندونيسيا إلى 5% في 2026 مع تصاعد ضغوط المالية العامة

توقع البنك الدولي أن يتراجع نمو الاقتصاد الإندونيسي إلى 5% في 2026، مع تصاعد الضغوط على المالية العامة بسبب ارتفاع كلفة دعم الوقود وبرنامج إنفاق حكومي واسع، في وقت تواجه فيه الروبية ضغوطاً حادة وخروجاً لرؤوس الأموال الأجنبية.

تتجه إندونيسيا إلى عام 2026 وسط مزيج معقد من الضغوط المالية والنقدية، بعدما خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا إلى 5 في المائة فقط، وهو مستوى أدنى من تقديرات الحكومة التي تراوح بين 5.4 و6 في المائة.

ويعكس هذا التقدير قلقاً متزايداً من تأثير الإنفاق العام المرتفع وتكلفة دعم الوقود وتراجع العملة المحلية على قدرة الاقتصاد على الحفاظ على وتيرة توسع قوية خلال العام المقبل.

ضغوط على الموازنة والعملة

جاءت قراءة البنك الدولي في وقت شهدت فيه الأسواق الإندونيسية اضطرابات واضحة خلال العام الحالي، مع خروج رؤوس أموال أجنبية على نحو ملحوظ، وتراجع الروبية إلى مستويات قياسية، وهبوط سوق الأسهم بأكثر من 30 في المائة. وتزايدت هذه الضغوط مع اتساع المخاوف بشأن خطط الإنفاق الكبيرة التي تتبناها الحكومة، إلى جانب ارتفاع فاتورة دعم الطاقة في الموازنة العامة.

ويشير التقرير إلى أن توقعات النمو في 2026 لا تستند إلى تحسن ملموس في البيئة الخارجية أو إلى تراجع المخاطر، بل إلى أساس أقوى في الربع الأول من العام وارتفاع الإنفاق الحكومي في بداياته. وهذا يعني أن المسار المتوقع للنمو يظل حساساً للغاية لأي تباطؤ في الاستهلاك أو أي مزيد من التدهور في الأسواق المالية.

وبحسب التقديرات، تعتمد الحكومة الإندونيسية بدرجة كبيرة على الحوافز المالية لدعم الطلب المحلي، إلا أن هذا النهج يواجه سقفاً واضحاً بسبب محدودية المساحة المتاحة في الموازنة العامة. كما أن ارتفاع أسعار النفط يضغط مباشرة على كلفة دعم الطاقة والتعويضات، بينما يؤدي ضعف الروبية إلى رفع عبء خدمة الدين الخارجي.

إصلاح دعم الوقود إلى الواجهة

دعا البنك الدولي جاكرتا إلى إعادة ضبط نظام دعم الوقود بشكل تدريجي، في محاولة للحد من الضغوط على المالية العامة. وتستند السياسة الحالية إلى الإبقاء على أسعار الوقود منخفضة نسبياً باعتبارها أداة لحماية الاستقرار السعري والاجتماعي، لكنها أصبحت أكثر كلفة مع تصاعد أسعار النفط العالمية.

ورغم حساسية الملف سياسياً، أقدمت الحكومة مؤخراً على رفع أسعار نوعين من البنزين واسعَي الاستخدام بنسبة 32 في المائة، وهي خطوة فسّرها محللون على أنها مراجعة جزئية للسياسة القائمة. ويؤكد البنك الدولي أن الدعم الشامل للطاقة غالباً ما يفيد الشرائح الأعلى دخلاً أكثر من الأسر الفقيرة، ما يجعل التحول إلى استهداف أدق للمساعدات خياراً أكثر كفاءة.

وفي بلد يضم نحو 280 مليون نسمة، يظل ملف الوقود من أكثر الملفات القابلة لإثارة ردود فعل اجتماعية. فقد تسببت زيادات سابقة في احتجاجات واسعة، ما يجعل أي تعديل إضافي على المنظومة بحاجة إلى تدرج واضح وآليات تعويض اجتماعية أكثر فاعلية.

ويرى التقرير أن صدمة أسعار النفط الحالية قد تشكل فرصة لإصلاح تدريجي، عبر توجيه جزء من الوفر المحتمل نحو التحويلات النقدية للأسر الأشد فقراً وبرامج الحماية الاجتماعية والاستثمار العام، بدلاً من الإبقاء على دعم واسع لا يصل بالضرورة إلى الفئات المستهدفة.

الحكومة تقلل من حدة المخاطر

في المقابل، قال نائب وزير المالية الإندونيسي جودا أغونغ إن الضغوط الداخلية والخارجية التي تواجهها البلاد «قابلة للسيطرة»، رغم التراجع الحاد في الروبية الذي دفع البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة.

وأوضح أن العملة الإندونيسية تبدو مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، معتبراً أن أساسيات الاقتصاد لا تزال قوية على الرغم من تراجع ثقة المستثمرين. وذكر أن الروبية هبطت إلى مستوى قياسي تجاوز 18 ألف روبية للدولار قبل أن تعوض جزءاً من خسائرها بعد رفع مفاجئ للفائدة.

وأشار المسؤول إلى أن كل انخفاض بنسبة 1 في المائة في قيمة الروبية يضيف نحو 0.07 في المائة إلى التضخم، وقرابة 800 مليار روبية إلى عجز الموازنة. ومع ذلك، قال إن معدل التضخم الحالي البالغ نحو 3 في المائة لا يزال ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي.

كما أكد أن العجز المالي ما زال تحت السيطرة، رغم ما وصفه بالضغوط المتصاعدة. وجاءت تصريحاته بعد أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة 25 نقطة أساس هذا الأسبوع، عقب زيادة سابقة بلغت 75 نقطة أساس في الشهر الماضي، وسط توقعات باستمرار سياسة التشديد النقدي خلال الاجتماع المقبل.

تأثير أسعار النفط على الاقتصاد الكلي

إندونيسيا، بوصفها مستورداً صافياً للنفط، تتأثر بشدة بأي ارتفاع في أسعار الطاقة العالمية. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من دولارين للبرميل، ما زاد الضغط على الاقتصادات المستوردة وأعاد مخاطر التضخم إلى الواجهة.

وفي الحالة الإندونيسية، لا يقتصر الأثر على أسعار الوقود المحلية، بل يمتد أيضاً إلى العملة وتكلفة التمويل الخارجي وثقة المستثمرين. ويعني ضعف الروبية أن فاتورة الاستيراد تصبح أكثر كلفة، فيما تتعرض الموازنة لضغط إضافي بسبب زيادة عبء الدين المقوم بالعملات الأجنبية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تحقيق هدف طموح يتمثل في رفع النمو إلى 8 في المائة بحلول 2029، وهو هدف يتطلب استثمارات ضخمة واستقراراً مالياً ونقدياً أكبر مما هو متاح حالياً. لذلك تبدو الموازنة بين التوسع في الإنفاق والانضباط المالي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

تحديات أمام الثقة والاستثمار

رغم الإشارات الرسمية إلى أن الأوضاع تحت السيطرة، لا تزال الأسواق تتفاعل بحذر مع السياسة الاقتصادية في البلاد. فقد أدى هروب رؤوس الأموال، وضعف الأسهم، وتراجع العملة إلى تكوين صورة أقل استقراراً لدى المستثمرين، خاصة مع زيادة الاعتماد على دعم الدولة وبرامج الإنفاق الاجتماعي الواسعة.

والمعادلة المطروحة أمام جاكرتا اليوم تقوم على إعادة بناء الثقة من جهة، والحفاظ على التوازن الاجتماعي من جهة أخرى. وأي إصلاح سريع أو غير مدروس للدعم قد يفاقم التوتر الاجتماعي، بينما يؤدي التأخر في الإصلاح إلى تفاقم العجز المالي وتآكل القدرة على المناورة.

لذلك، يرى البنك الدولي أن أفضل مسار متاح هو الانتقال التدريجي من الدعم الشامل إلى الدعم الموجه، مع تعزيز التحويلات النقدية والإنفاق على البنية التحتية والخدمات الأساسية. ويبدو هذا التوجه، في حال تنفيذه بحذر، أكثر قدرة على حماية النمو من صدمات النفط والعملة خلال العامين المقبلين.

في المحصلة، يرسل تقرير البنك الدولي إشارة واضحة مفادها أن الاقتصاد الإندونيسي ما زال قادراً على النمو، لكنه يدخل مرحلة أكثر حساسية تتداخل فيها السياسة المالية مع ضغوط السوق العالمية، وتصبح فيها كلفة دعم الوقود واستقرار العملة عاملين حاسمين في رسم مسار 2026.