الأعمال والاقتصاد الرقمي 13-Jun-2026 6 دقائق قراءة

تأجيل مشاريع تكرير صينية مع اضطراب إمدادات النفط وارتفاع كلفة الشحن الجوي

أدت اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط إلى إعادة حسابات شركات التكرير الصينية والتجارة الإلكترونية على حد سواء، مع تأجيل مشاريع صناعية وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع وتراجع هوامش الربح في قطاعات تعتمد على سلاسل الإمداد العالمية.

تأجيلات جديدة في قطاع التكرير الصيني

أجّلت شركات تكرير صينية بدء تشغيل مشروعين كبيرين كان من المفترض أن يدخلا الخدمة خلال العام الجاري، بعد أن أربكت التوترات في الشرق الأوسط تدفقات الخام عبر الممرات البحرية الحيوية. ويأتي هذا القرار في وقت تواجه فيه مصافي التكرير الصينية بيئة تشغيلية أصعب، مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وتراجع الطلب المحلي على الوقود.

وتؤثر هذه التأجيلات على طاقة تكريرية إجمالية تبلغ نحو 500 ألف برميل يومياً، وهو رقم يعكس حجم الرهانات الاستثمارية التي كانت تراهن عليها بكين لتعزيز قدراتها الصناعية. لكن اضطراب الإمدادات وسوء الرؤية بشأن كلفة الخام وموعد وصوله دفعا الشركات إلى تبني نهج أكثر حذراً.

وبالنسبة لسوق الطاقة الأوسع، فإن أي تباطؤ في تشغيل هذا الحجم من الطاقة التكريرية قد يخفف شهية الصين لشراء الخام خلال الأشهر المقبلة، في وقت ما تزال فيه الأسعار العالمية مرتفعة نسبياً مقارنة بالمستويات المعتادة.

مشروع هابكو يواجه تأخيراً في التشغيل

أحد أبرز المشاريع المتأثرة هو مصفاة هابكو في مدينة بانجين شمال شرقي الصين، وهي مشروع مشترك يجمع بين أرامكو السعودية وشركة نورينكو الصينية ومجموعة بانجين شينتشنغ الصناعية. وتبلغ الطاقة التصميمية للمصفاة 300 ألف برميل يومياً.

وبحسب مصادر مطلعة، فقد جرى تأجيل التشغيل من موعد كان مستهدفاً في مايو أو يونيو إلى سبتمبر أو أكتوبر المقبلين. ويعكس هذا التعديل استمرار الضبابية المرتبطة بتوريد المواد الخام، خاصة في ظل تعطل جزء من الإمدادات الآتية من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.

وتشير تقديرات استشارية إلى أن تشغيل المشروع قد يبدأ في النصف الثاني من الربع الثالث من العام، ما يعني أن السوق الصينية ستنتظر أشهراً إضافية قبل إضافة هذه الطاقة الجديدة إلى منظومة التكرير المحلية. كما أن المشروع لا يقتصر على التكرير فقط، بل يتضمن وحدات بتروكيماوية كبيرة، من بينها وحدة تكسير إيثيلين بطاقة 1.65 مليون طن سنوياً، ووحدة لإنتاج الباراكسيلين بطاقة مليوني طن سنوياً.

وفي الخلفية، تواصل أرامكو تزويد المشروع بكميات كبيرة من الخام، ما يجعل استقرار خط الإمداد أمراً محورياً لضمان دخول المصفاة الخدمة في الجدول الجديد المعلن.

مصـفاة داليان تُرجئ إعادة التشغيل

التأجيل الثاني يتعلق بمصفاة داليان التابعة لبتروتشاينا، حيث أُرجئت إعادة تشغيل وحدة تكرير خام بطاقة 200 ألف برميل يومياً إلى أجل غير مسمى، وفقاً لمصادر مطلعة على المشروع. وكانت الشركة قد درست سابقاً إعادة تشغيل الوحدة في منتصف العام، مستفيدة من هوامش ربح قوية كانت متاحة عند معالجة الخام الروسي المخفّض السعر.

غير أن تلك الفرضية تغيرت سريعاً. فبعد أن أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى تعطيل الإمدادات العالمية، تقلصت الخصومات على الخام الروسي بدرجة كبيرة، ما جعل الجدوى الاقتصادية لإعادة التشغيل أقل إغراءً. وبذلك لم يعد قرار العودة للإنتاج مرتبطاً فقط بالجاهزية الفنية، بل أيضاً بقدرة المصفاة على تحقيق هامش ربح مقبول في سوق أكثر تنافسية.

هذا التطور يبرز كيف يمكن لتغيرات جيوسياسية في منطقة واحدة أن تعيد ترتيب حسابات مصافٍ تقع على بعد آلاف الكيلومترات، وأن تدفع الشركات إلى إعادة تقييم نماذج الشراء والتكرير والتصدير في آن واحد.

تراجع الهوامش وضغط إضافي من السيارات الكهربائية

تعاني مصافي التكرير الصينية بالفعل من ضغوط على هوامش الأرباح. فارتفاع أسعار الخام يزيد كلفة الإنتاج، بينما تواصل السلطات فرض قيود على تسعير الوقود محلياً، الأمر الذي يحد من قدرة الشركات على تمرير الزيادة إلى المستهلك النهائي.

إلى ذلك، يضغط نمو مبيعات السيارات الكهربائية على الطلب على الوقود التقليدي، ما يضعف حجم الاستهلاك ويقلص فرص رفع الإنتاج عند مستويات مرتفعة. ونتيجة هذه العوامل مجتمعة، تراجع معدل معالجة النفط في المصافي الصينية إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022.

ويعادل هذا الاستخدام نحو 69 في المائة فقط من الطاقة الإنتاجية، وهو مستوى يكشف عن حذر واسع في القطاع. فالشركات لا تعاني فقط من ارتفاع كلفة الخام، بل أيضاً من ضعف نمو الاستهلاك المحلي، وهو مزيج يضغط على قرارات الاستثمار والتشغيل على السواء.

تداعيات أوسع على التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة

الأثر لا يقتصر على صناعة التكرير. فارتفاع كلفة الوقود، خصوصاً وقود الطائرات، بدأ ينعكس أيضاً على قطاع التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة الذي يعتمد على الشحن السريع من الصين إلى المستهلكين في الخارج. وتواجه منصات مثل تيمو وشي إن وعلي إكسبريس ضغوطاً متزايدة مع صعود رسوم النقل وتراجع الطلب من شرائح دخل منخفضة في الأسواق الغربية.

وكانت هذه الشركات قد بنت نموها على نموذج يقوم على تسعير منخفض جداً وشحن سريع على نطاق واسع، لكن هذا النموذج أصبح أقل سهولة مع زيادة الرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن وارتفاع الأعباء اللوجستية. كما أن التغييرات التنظيمية في الولايات المتحدة، إلى جانب تراجع بعض الإعفاءات الجمركية على الطرود منخفضة القيمة، أضافت طبقة جديدة من التعقيد.

وتشير بيانات حديثة إلى أن صادرات الصين من التجارة الإلكترونية منخفضة التكلفة هبطت في أبريل بنسبة 10.9 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 9.81 مليار دولار، وهو التراجع الخامس على التوالي مقارنة بالعام السابق. وهذا المسار يطرح أسئلة حول قدرة هذا القطاع على مواصلة النمو بنفس الوتيرة التي حققها خلال السنوات الماضية.

تحول في سلوك الشركات بين الشحن والتخزين

مع ارتفاع كلفة النقل الجوي، بدأت بعض الشركات والبائعين في تعديل استراتيجياتهم التشغيلية. فبدلاً من الاعتماد الكامل على الشحن المباشر من المصانع الصينية، يتجه عدد متزايد من المنصات إلى تخزين السلع في مستودعات قريبة من الأسواق النهائية، ثم توزيعها محلياً عند الطلب.

هذا التحول قد يقلل جزءاً من الأثر المباشر لأسعار الوقود، لكنه يرفع في المقابل الحاجة إلى رأس مال عامل أكبر ومخزون أعلى وتخطيط لوجستي أكثر تعقيداً. كما أنه قد يبدل طبيعة المنافسة في التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، من منافسة قائمة على أرخص شحن مباشر إلى منافسة تعتمد أكثر على شبكة التخزين والتسليم السريع.

وفي المقابل، يظل نقل البضائع جواً خياراً مكلفاً بالنسبة للسلع منخفضة السعر. فكلما ارتفعت كلفة النقل من قيمة المنتج نفسه، تقلصت قدرة الشركات على الحفاظ على الهوامش دون رفع الأسعار على المستهلك النهائي.

خلاصة المشهد: سلاسل إمداد أكثر حساسية

تكشف التطورات الأخيرة أن قطاعات التكرير والتجارة الإلكترونية والشحن أصبحت أكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية من أي وقت مضى. فتعطل ممر بحري واحد قادر على تأجيل مشروع صناعي ضخم، وإرباك تسعير الخام، ورفع كلفة شحن قميص أو قطعة ملابس في سوق بعيد.

وفي الحالة الصينية، تبدو الصورة مزدوجة: شركات التكرير تؤجل التشغيل أو تعيد الحسابات بسبب غموض الإمدادات وهوامش الربح، بينما تواجه منصات التجارة الإلكترونية ضغطاً إضافياً على نموذجها القائم على الأسعار المنخفضة والشحن السريع. وبين هذين القطاعين، تتشكل خريطة جديدة لسلاسل الإمداد الدولية أكثر تحفظاً وأعلى كلفة وأكثر اعتماداً على التخزين المحلي والتوريد البديل.

ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يرجح أن تبقى قرارات الاستثمار والتشغيل في هذه القطاعات مرتبطة بدرجة عالية من التغيرات اليومية في أسعار الطاقة وتكاليف النقل، لا فقط بمعدلات الطلب أو خطط التوسع طويلة الأجل.