الشركات الناشئة 13-Jun-2026 5 دقائق قراءة

خروج مئات الآلاف من اللاجئين السوريين من لبنان يربك قطاعات تعتمد على العمالة غير الرسمية

مع عودة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين إلى سوريا، يواجه لبنان غموضاً كبيراً بشأن الكلفة الاقتصادية الحقيقية لغياب عمالة كانت تشكل ركيزة غير مرئية في الزراعة والبناء والخدمات منخفضة الكلفة.

موجة عودة واسعة تعيد طرح سؤال الكلفة الاقتصادية

يشهد لبنان تحولاً اجتماعياً واقتصادياً لافتاً مع عودة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى بلادهم، بعد أكثر من عقد كان خلاله البلد أحد أكبر مراكز اللجوء بالنسبة لعدد السكان في العالم. هذا التحرك الجماعي لا يثير فقط أسئلة إنسانية وسياسية، بل يفتح باباً أكثر تعقيداً: ما القيمة الاقتصادية الحقيقية للعمل الذي كان هؤلاء يؤدونه داخل السوق اللبنانية؟

وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، عاد مئات الآلاف من السوريين من الدول المجاورة منذ نهاية عام 2024، وكان لبنان من أبرز نقاط الانطلاق. وفي منتصف 2025، تحوّل المسار الذي بدأ بصورة فردية ومتفرقة إلى برنامج عودة منظّم بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، حيث نُقلت قوافل من البقاع عبر معبر المصنع إلى مدن سورية عدة، بينها دمشق وحلب وحمص.

هذا التغير لم يعد مجرد مسار نزوح معاكس، بل أصبح عاملاً مباشراً في قطاعات لبنانية اعتادت على العمالة السورية، خصوصاً في الزراعة والبناء وبعض الخدمات منخفضة الأجر.

اقتصاد غير رسمي ببيانات ناقصة

المشكلة الأساسية في لبنان لا تتعلق فقط بحجم المغادرين، بل بغياب قاعدة بيانات دقيقة حول حجم الوجود السوري في سوق العمل. فخلال سنوات اللجوء، تشكلت علاقة اقتصادية واسعة النطاق بين أصحاب العمل والعمال السوريين عبر ترتيبات غير رسمية، من دون حصر شامل أو إحصاء وطني موثوق يمكن الاستناد إليه لقياس الأثر الفعلي للعودة.

يُجمع خبراء وسياسيون في لبنان على أن العمال السوريين كانوا حاضرين بقوة في أعمال لا يقبل بها كثير من اللبنانيين بسبب تدني الأجور وطول ساعات العمل وغياب الضمانات. لكن هذا الحضور لم يتحول إلى أرقام رسمية قابلة للتحقق، ما يجعل أي تقدير حول الخسائر أو النقص المتوقع تقديراً تقريبياً أكثر منه نتيجة قياس مباشر.

وتشير تقديرات قطاعية غير رسمية إلى أن السوريين قد يشكلون نسبة كبيرة جداً من اليد العاملة الزراعية في لبنان، بينما يعمل نحو ربع اللاجئين السوريين في الزراعة. غير أن هذه النسب تظل تقديرية بسبب غياب تعداد رسمي شامل واستمرار الطابع غير المسجل لهذا النوع من العمالة.

الزراعة والبناء في صدارة التأثر

القطاعات الأكثر حساسية تجاه هذا التحول هي الزراعة والبناء، إذ تعتمد هذه الأنشطة على العمالة الموسمية والمرنة والمنخفضة الكلفة. وفي الزراعة على وجه الخصوص، يرى مسؤولون ومتابعون للقطاع أن إعادة توطين العمال في لبنان بسرعة لن تكون سهلة، لأن البدائل المحلية محدودة أو أكثر كلفة أو أقل توافراً.

كما أن العمال السوريين لم يكونوا محصورين في الحقول فقط، بل امتدت مساهمتهم إلى أعمال مرتبطة بالإنتاج الغذائي، والتعبئة، والنقل، والتنظيف، والخدمات المساندة. وبالمثل في البناء، وفّرت هذه العمالة عدداً كبيراً من الأيدي العاملة في مشاريع صغيرة ومتوسطة كانت تحتاج إلى سرعة في التوظيف وكلفة محدودة.

وبحسب تقديرات خبراء في السياسة العامة والهجرة، يمكن أن تسهم العمالة السورية بشكل غير مباشر بنسبة تتراوح بين 3% و6% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، عبر الزراعة والبناء والخدمات الخفيفة وإنتاج الغذاء والتوصيل والتجارة الصغيرة. لكن هذه النسبة لا تستند إلى نموذج وطني متكامل، بل إلى استنتاجات من بيانات ضريبية ومؤشرات قطاعية غير كافية.

ما بين العودة الطوعية والضغط الاقتصادي

تستخدم المؤسسات الدولية مصطلح العودة الطوعية، لكن الواقع على الأرض أكثر تعقيداً. فالكثير من السوريين الذين يغادرون لبنان لا يفعلون ذلك بالضرورة لأن الظروف داخل سوريا أصبحت مستقرة بالكامل، بل لأن استمرار الإقامة في لبنان بات صعباً أو غير مضمون، سواء بسبب الحرب أو التوترات الأمنية أو الضغوط الاقتصادية.

هذا لا يعني أن جميع المغادرين أُجبروا على الرحيل بالمعنى القانوني، لكنه يعني أن مفهوم الطوعية صار محدوداً أمام خيارات شديدة الضيق. فالأسر العائدة تقارن بين بلدين غير مستقرين، أحدهما يفتقر إلى الأمان والفرص، والآخر يعاني من الغلاء والهشاشة القانونية وضيق سبل العيش.

وتؤكد جهات إغاثية أن كثيراً من العائدين ما زالوا مترددين، بسبب الغموض الذي يحيط بفرص العمل والتعليم والسكن والحماية الإنسانية داخل سوريا. لذلك، فإن حركة العودة لا تعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى الدعم، بل قد تعكس انتقالاً من هشاشة إلى هشاشة أخرى.

أزمة سياسات أكثر من كونها أزمة أرقام

يرى باحثون في قضايا الهجرة والعمل أن غياب البيانات الرسمية ليس تفصيلاً تقنياً، بل دليل على خلل أوسع في إدارة ملف العمالة الوافدة واللاجئين. فلبنان استفاد اقتصادياً من العمالة السورية طوال سنوات، لكنه لم يبنِ نظاماً متكاملاً لتسجيلها أو قياس إنتاجيتها أو فهم أثرها القطاعي.

هذا النقص في القياس جعل المستفيدين الحقيقيين من العمالة الرخيصة هم أصحاب العمل والوسطاء وبعض القطاعات الاستهلاكية، أكثر من العمال أنفسهم. ومع ذلك، بقيت الرواية العامة في كثير من الأحيان محصورة في خطاب سياسي يتحدث عن المنافسة على الوظائف، بدل التطرق إلى دور غياب التنظيم وضعف التفتيش العمالي وتآكل الحماية الرسمية.

ومن هنا، يبرز رأي يدعو إلى إنشاء مرصد وطني للعمل يربط بين وزارات العمل والداخلية والبلديات والنقابات وأصحاب العمل والمجتمع المدني، بهدف تتبع حركة العمالة في القطاعات المختلفة. مثل هذا المسار يمكن أن يساعد على الانتقال من إدارة الأزمة بالحدس إلى إدارة سوق العمل ببيانات فعلية.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد اللبناني؟

السيناريو الأقرب لا يشير إلى انهيار فوري في القطاعات التي اعتادت على العمالة السورية، لكنه يكشف ضعف البنية الاقتصادية التي اعتمدت لسنوات على العمل غير الرسمي. فإذا لم تتوافر بيانات كافية، ولا آليات لاستبدال العمالة أو تنظيمها، فإن أي خروج واسع قد يخلق فجوات في العرض، ويدفع بعض الأنشطة إلى رفع الأجور أو تقليص الإنتاج أو البحث عن بدائل أقل استقراراً.

في المقابل، لا يبدو أن الصورة واحدة في كل المناطق. فبعض ممثلي المزارعين يقولون إن الحركة العكسية للعمال لم تنتج بالضرورة نقصاً مباشراً في اليد العاملة، لأن عدداً من السوريين عادوا لاحقاً إلى لبنان بعد اكتشاف محدودية الفرص داخل سوريا. وهذا يعني أن السوق ما زالت في حالة إعادة تشكّل، لا في حالة حسم نهائي.

لكن المؤكد أن لبنان يواجه الآن اختباراً صعباً: كيف يدير اقتصاداً كان يعتمد عملياً على عمالة لم يعترف بها قانونياً بالشكل الكافي؟ وكيف ينتقل من نظام يقوم على الاستفادة من الهشاشة إلى نظام يوازن بين احتياجات السوق وحقوق العمال والمتطلبات التنظيمية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت عودة السوريين ستبقى حدثاً إنسانياً وسياسياً فقط، أم ستتحول إلى نقطة انعطاف في بنية الاقتصاد اللبناني وسوق عمله غير الرسمي.