كشفت دراسة حديثة صادرة عن جامعة كورنيل الأمريكية عن ملاحظة مثيرة في بيئات العمل: كلما زاد إعجاب الموظفين بالمصطلحات الإدارية الرنانة واللغة التنظيمية الملتبسة، تراجعت نتائجهم في اختبارات الأداء والتحليل واتخاذ القرار. وتضيف النتائج بعداً جديداً إلى النقاش المتكرر حول اللغة المستخدمة داخل المؤسسات، وحدود تأثيرها على الكفاءة الفعلية.
وتعكس الدراسة، التي تناولت ما يمكن وصفه بـ"الهراء الإداري"، مفارقة واضحة بين الانطباع الإيجابي عن الخطاب المؤسسي وبين القدرة الواقعية على الإنجاز. فبعض المشاركين بدوا أكثر ارتياحاً تجاه العبارات المنمقة والمصطلحات الفضفاضة، لكنهم أظهروا مستويات أضعف في التقييمات العملية مقارنة بزملائهم الأكثر تحفظاً تجاه هذا النوع من الخطاب.
عينة تضم أكثر من ألف موظف
اعتمد الباحثون على أكثر من ألف موظف إداري ضمن محاولة لقياس العلاقة بين تقبل اللغة الإدارية الغامضة وبين الأداء المهني. وتركزت الدراسة على ما إذا كان الميل إلى هذا الخطاب يشير إلى كفاءة أعلى في فهم البيئة التنظيمية، أم أنه يرتبط على العكس بضعف في التفكير النقدي والقدرة على التمييز.
وقاد العمل عالم النفس التنظيمي شين ليتريل، الذي سبق أن تناول في أبحاث سابقة سلوك من ينتجون هذا النوع من اللغة داخل الشركات. أما هذه المرة، فانتقل التركيز إلى الطرف الآخر من المعادلة: الموظفون الذين يتفاعلون بإيجابية مع تلك العبارات، ويبدون استعداداً لتصديقها أو تفضيلها على اللغة المباشرة والواضحة.
الذكاء الاصطناعي في اختبار اللغة الفارغة
طور الفريق البحثي أداة خاصة لقياس مدى تقبل العبارات الإدارية التي تبدو احترافية شكلاً لكنها تفتقر إلى مضمون واضح. ولإنجاز ذلك، جرى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد عبارات منسقة لغوياً، لكنها لا تحمل بالضرورة معنى عملياً قابلاً للقياس أو التطبيق.
ثم طلب الباحثون من المشاركين تقييم هذه العبارات إلى جانب اقتباسات حقيقية صادرة عن مسؤولين تنفيذيين في شركات كبرى مدرجة ضمن قائمة Fortune 500. وكان الهدف هو معرفة مدى قدرة المشاركين على التمييز بين الخطاب ذي المحتوى الفعلي واللغة التي تكتفي بإضفاء مظهر مهني دون أن تقدم فكرة محددة.
بعد ذلك، خضع المشاركون لسلسلة اختبارات شملت التفكير التحليلي، والذكاء العملي، والقدرة على اتخاذ القرار، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بالرضا الوظيفي والانطباع عن القادة والمديرين داخل المؤسسة.
النتائج: الإعجاب لا يعني الكفاءة
أظهرت النتائج أن المشاركين الذين منحوا أعلى درجات القبول للمصطلحات الإدارية الغامضة سجلوا أداءً أضعف في الاختبارات الإدراكية والمهنية. وبالمقابل، حقق من كانوا أكثر شكاً أو أقل إعجاباً بهذا النوع من اللغة نتائج أفضل في مهام التحليل والتفكير واتخاذ القرار.
وتشير هذه الخلاصة إلى أن الانجذاب إلى الخطاب المليء بالمفاهيم العامة والعبارات المطاطة قد يكون مرتبطاً بضعف في التقييم النقدي أكثر مما هو مؤشر على فهم أعمق لآليات العمل. وبعبارة أخرى، فإن الإعجاب بالصياغة المنمقة لا يبدو دليلاً على امتلاك قدرة مهنية أعلى.
رضا وظيفي أعلى رغم أداء أضعف
من اللافت أن الدراسة وجدت أيضاً أن المجموعة الأكثر تقبلاً لهذه اللغة كانت أكثر ميلاً لوصف رؤسائها بأنهم ملهمون وفعالون، كما سجلت مستويات أعلى من الرضا الوظيفي. إلا أن هذا الرضا لم ينعكس في النتائج العملية، إذ بقي الأداء في الاختبارات القياسية أقل من أداء بقية المشاركين.
وهنا تظهر فجوة مهمة بين الشعور الذاتي بالارتياح داخل بيئة العمل وبين القدرة الواقعية على الإنتاج واتخاذ قرارات دقيقة. فالموظف قد يشعر بأنه جزء من ثقافة مؤسسية متماسكة، لكنه لا يملك بالضرورة الأدوات التحليلية نفسها التي تترجم هذا الشعور إلى أداء فعلي أفضل.
حلقة تغذي نفسها داخل المؤسسات
حذرت الدراسة من احتمال تحول هذا النمط إلى ما يشبه الحلقة المغلقة، حيث يميل الأشخاص المنجذبون إلى اللغة الإدارية الرنانة إلى تفضيل وتوظيف وترقية أفراد يشبهونهم في النظرة نفسها. ومع مرور الوقت، تترسخ هذه اللغة داخل الشركة وتصبح جزءاً من الثقافة اليومية.
هذا المسار قد يؤدي إلى ما وصفه الباحثون بدوامة من الهراء الإداري، تتراجع فيها الدقة لصالح العبارات العامة، ويصبح التواصل أقل وضوحاً، وتضعف القدرة على قياس النتائج أو تحديد المسؤوليات بشكل عملي. وفي بيئات العمل السريعة، قد تكون هذه النتيجة مكلفة على مستوى الإنتاجية والقرارات والاستجابة للتحديات.
تأثير مباشر على جودة القرار
لا تقتصر المشكلة، وفق الدراسة، على الذائقة اللغوية أو أسلوب التعبير. فحين تتقدم العبارات المبهمة على الأهداف القابلة للقياس، تصبح الأولويات أقل وضوحاً، وتغدو عملية تقييم الأداء أكثر صعوبة. كما أن الرسائل غير المحددة قد تخلق انطباعاً بالحركة والنشاط من دون أن تنتج تقدماً حقيقياً.
ويرى الباحثون أن اللغة المباشرة ليست مجرد خيار أسلوبي، بل عنصر أساسي في الإدارة الفعالة. فكلما زاد الغموض، تقلصت القدرة على المحاسبة والمتابعة، وأصبح من الصعب معرفة ما إذا كانت المؤسسة تحقق ما تعد به فعلاً أم أنها تكتفي بإعادة تدوير الشعارات.
دعوة إلى تواصل أوضح داخل الشركات
تدعو الدراسة القيادات الإدارية إلى تبني لغة أكثر تحديداً ووضوحاً داخل فرق العمل، والابتعاد عن العبارات التي تبدو لامعة لكنها لا تحمل دلالة تشغيلية واضحة. كما توصي بأن تتحول الشعارات العامة إلى خطوات عملية، محددة زمنياً، وقابلة للقياس والمتابعة.
وتشدد النتائج على أهمية تشجيع الموظفين على طرح الأسئلة عندما يواجهون خطاباً غامضاً، وعدم التعامل مع المصطلحات المعقدة بوصفها دليلاً تلقائياً على العمق أو الاحتراف. ففي كثير من الأحيان، يكون الوضوح أكثر فائدة من الإبهار اللغوي.
دلالة أوسع على ثقافة العمل الحديثة
تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في الشركات الناشئة والمؤسسات التي تعتمد على السرعة والتجريب واتخاذ القرار المتواصل. ففي مثل هذه البيئات، يمكن للغة المنفصلة عن الواقع أن تصبح عائقاً حقيقياً أمام الابتكار، لأنها تصنع ضباباً حول الأهداف بدلاً من أن توضحها.
وتبقى الدراسة، بحسب القائمين عليها، خطوة أولى في فهم العلاقة بين الخطاب المؤسسي والأداء الفعلي. لكنها تحمل رسالة واضحة لبيئات العمل الحديثة: ليس كل ما يبدو احترافياً يضيف قيمة، وليس كل خطاب منمق يترجم إلى كفاءة أعلى. وفي النهاية، قد يكون الوضوح واحداً من أهم أدوات الإدارة الناجحة.