تتجه شركات المال والأعمال إلى إعادة تعريف المهارات المطلوبة في التوظيف، مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي إلى واجهة العمل اليومي. وفي هذا السياق، أوضحت المديرة المالية في OpenAI أن الإلمام بالأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة إضافية، بل أصبح شرطاً عملياً للراغبين في دخول القطاع المالي.
وجاءت تصريحاتها خلال قمة Liquidity Summit 2026، حيث ربطت بين التحول السريع في بيئة العمل وبين تغير المعايير التي تستخدمها الشركات لاختيار الكوادر. ووفقاً لما طرحته، فإن فهم أدوات مثل Codex بات قريباً في أهميته من إتقان البرامج المكتبية الأساسية التي كانت، حتى وقت قريب، معياراً أولياً في أي وظيفة مالية.
Codex ينتقل من أداة تقنية إلى مهارة مهنية
Codex هو وكيل برمجة توليدية من تطوير OpenAI، ويُستخدم لأتمتة أجزاء من العمل البرمجي عبر الأوامر النصية. غير أن تأثيره لم يعد محصوراً بالمطورين، إذ بدأت فئات أوسع داخل الشركات في استخدامه لإنجاز مهام متكررة وتحسين الإنتاجية وتسريع سير العمل.
وتشير بيانات OpenAI إلى أن الموظفين العاملين في المكاتب يمثلون نحو 20% من مستخدمي Codex، مع معدل نمو يفوق بقية الشرائح بثلاثة أضعاف. ويعكس ذلك انتقال الأداة من بيئة هندسية متخصصة إلى استخدامات أكثر ارتباطاً بالوظائف الإدارية والتحليلية والمالية.
تغيّر معايير التوظيف في القطاع المالي
المقارنة التي طرحتها المديرة المالية في OpenAI كانت لافتة: كما لا يمكن اليوم تخيل توظيف شخص في المالية لا يجيد استخدام Excel، فإن تجاهل أدوات الذكاء الاصطناعي قد يصبح فجوة مهنية لا تقل أهمية. وهذه الإشارة تعكس تحوّلاً أوسع في سوق العمل، حيث لم يعد تقييم المرشحين يعتمد فقط على الخبرة المحاسبية أو المالية التقليدية، بل أيضاً على قدرتهم على التعامل مع الأدوات الذكية.
هذا التحول لا يقتصر على الشركات التقنية. فمع تسارع تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الكبرى، باتت الفرق المالية مطالبة بالاستفادة من الأتمتة في إعداد التقارير، وتحليل البيانات، ومراجعة العمليات، وتقليل الوقت المستغرق في المهام الروتينية.
دراسات حديثة تدعم التحول
تنسجم هذه الرؤية مع نتائج دراسة حديثة صادرة عن ديلويت، التي أظهرت أن مهارات الذكاء الاصطناعي والأتمتة أصبحت من أعلى أولويات قادة المالية حول العالم عند التوظيف وتطوير الموظفين. ووفقاً لهذه الدراسة، فإن هذه المهارات تقدمت حتى على بعض المتطلبات التقليدية التي كانت تحظى بالأولوية، مثل الامتثال التنظيمي وضبط التكاليف.
ويشير ذلك إلى أن القطاع المالي لم يعد ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة فقط، بل بوصفه جزءاً من البنية التشغيلية نفسها. ومع هذا التغير، قد تتسع الفجوة بين المؤسسات التي تدمج هذه الأدوات في عملياتها اليومية وتلك التي ما زالت تعتمد على الأساليب التقليدية.
الطلب المتزايد على الحوسبة يفرض تحديات جديدة
وفي موازاة الحديث عن التوظيف والمهارات، تواجه OpenAI بدورها تحديات متعلقة بتلبية الطلب المتنامي على خدماتها. وأشارت المديرة المالية إلى أن الطاقة الحوسبية أصبحت مورداً نادراً، وأن التنافس عليها يزداد مع اتساع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات.
وتستثمر الشركة بكثافة في البنية التحتية، لكنها تتوقع استمرار الضغوط خلال العام المقبل. ولا يقتصر التحدي هنا على توافر الرقائق أو المعالجات، بل يمتد إلى عناصر أخرى مثل الطاقة، والأراضي المناسبة، وسرعة الحصول على التصاريح، وإنتاج الذاكرة، وتوظيف الكفاءات، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية التي تستضيف هذه المشروعات.
هذه التفاصيل تكشف أن توسع الذكاء الاصطناعي لم يعد مسألة برمجية فقط، بل أصبح مرتبطاً بسلسلة كاملة من الموارد الصناعية والتنظيمية والبشرية. وفي الوقت نفسه، فإن هذا التوسع نفسه هو ما يدفع الشركات إلى البحث عن موظفين قادرين على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي بمرونة وسرعة.
ماذا يعني ذلك للمواهب في الشركات الناشئة والمالية؟
بالنسبة للشباب والمهنيين في بداية مسارهم، يحمل هذا التحول رسالة واضحة: المعرفة الأساسية بالذكاء الاصطناعي لم تعد خياراً ثانوياً. فالشركات الناشئة والمؤسسات المالية على حد سواء بدأت تفضل المرشحين الذين يستطيعون استخدام الأدوات الذكية لتحليل البيانات، وتبسيط العمل، وتسريع اتخاذ القرار.
كما أن هذا التغير قد يعيد تشكيل برامج التدريب الداخلي والتطوير المهني داخل الشركات. فبدلاً من الاكتفاء بالتدريب على الأنظمة التقليدية، ستحتاج المؤسسات إلى بناء مهارات عملية في استخدام النماذج الذكية، وفهم حدودها، والاستفادة منها دون التضحية بالدقة أو الامتثال.
في المحصلة، تعكس تصريحات OpenAI انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى مرحلة التوقعات المهنية اليومية. وما كان يُنظر إليه سابقاً كميزة تقنية أصبح اليوم جزءاً من لغة العمل الجديدة، خصوصاً في المجالات التي تعتمد على البيانات والسرعة واتخاذ القرار.