تراجع حاد في نشاط الصفقات
شهد قطاع البرمجيات هبوطاً واضحاً في قيمة صفقات الاستحواذ التي تنفذها صناديق الاستثمار الخاصة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ليصل إلى أدنى مستوى له في فترة مماثلة منذ عام 2020. ويعكس هذا التراجع تغيراً في شهية المستثمرين تجاه شركات البرمجيات، بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً يعيد تشكيل قواعد التقييم والنمو داخل القطاع.
وبحسب بيانات PitchBook التي نقلتها Financial Times، بلغت قيمة صفقات شراء شركات البرمجيات نحو 50 مليار دولار خلال الفترة المذكورة، مقارنة بنحو 88 مليار دولار في الأشهر نفسها من العام الماضي. ويأتي هذا الانخفاض بعد سنوات كان فيها القطاع أحد أكثر المجالات جذباً لرؤوس الأموال الخاصة، بفضل الإيرادات المتكررة ووضوح تدفقات النقد واستقرار قاعدة العملاء.
الذكاء الاصطناعي يغيّر طريقة التقييم
لا يرتبط التراجع بضعف في الطلب على البرمجيات وحده، بل أيضاً بتبدل أساسي في نظرة المستثمرين إلى مستقبل هذه الشركات. فمع تسارع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، بات من الصعب التنبؤ بالشركات التي ستتمكن من الحفاظ على موقعها التنافسي، وتلك التي قد تفقد جزءاً من أهميتها بسرعة.
وفي هذا السياق، قال بول-نويل جويلي من شركة Arma Partners المتخصصة في الاستشارات التقنية إن تقييم شركة بعد تبني الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر تعقيداً بكثير، وهو ما يجعل تمرير الصفقات داخل لجان الاستثمار أمراً أصعب من السابق. هذه المعضلة لا تتعلق فقط بتقدير الأرباح المستقبلية، بل أيضاً بفهم مدى قدرة المنتجات البرمجية الحالية على البقاء ذات صلة في سوق تتغير فيه الأدوات والوظائف بوتيرة سريعة.
نهاية مرحلة الازدهار في البرمجيات المدعومة بالديون
خلال العقد الماضي، كانت شركات البرمجيات هدفاً مفضلاً لصناديق الاستحواذ، لأنها تجمع بين التدفقات المالية المنتظمة والهوامش الجيدة وإمكانات التوسع المستمر. كما أن نماذج التسعير القائمة على الاشتراكات سهّلت على المستثمرين استخدام أدوات التمويل بالديون لتنفيذ صفقات كبيرة في هذا المجال.
لكن هذه المعادلة بدأت تتغير. فالمستثمرون باتوا أكثر حذراً في التعامل مع الشركات التي تعتمد على نماذج تقليدية قد تتأثر بتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي قادرة على أداء جزء من العمل البرمجي أو رفع إنتاجية المستخدم النهائي. ومع تزايد عدم اليقين، تراجع الحماس لصفقات الاستحواذ الضخمة، وبدأ رأس المال يبحث عن قطاعات أقل عرضة لاضطراب سريع في النموذج التشغيلي.
أثر مباشر لإطلاق أدوات جديدة
زاد الضغط على قطاع البرمجيات بعد إطلاق شركة Anthropic الأمريكية مجموعة من الأدوات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي والموجهة لتحسين الإنتاجية. وقد اعتُبر ذلك إشارة إضافية إلى أن السوق يدخل مرحلة جديدة، لا تقتصر فيها المنافسة على جودة البرمجيات التقليدية، بل تمتد إلى قدرة الشركات على دمج الذكاء الاصطناعي في منتجاتها أو مواجهة بدائل أسرع وأقل كلفة.
التركيز الأكبر بات منصباً على ما يُعرف بأدوات الوكيل الذكي، وهي تطبيقات يمكنها تنفيذ مهام روتينية بشكل شبه مستقل. هذه الأدوات قد تعيد تعريف طريقة استخدام البرمجيات داخل الشركات، وتضغط على نماذج التسعير التي كانت تعتمد في السابق على عدد المستخدمين أو على رسوم الاشتراك الثابتة لكل مقعد.
ومع هذا التحول، أصبح السؤال الأهم لدى المستثمرين هو ما إذا كانت شركات البرمجيات الحالية ستنجح في إعادة بناء قيمة مضافة حقيقية، أم أن جزءاً من وظائفها سيتحول إلى ميزات مدمجة ضمن منصات الذكاء الاصطناعي الأوسع.
أرقام الصفقات تكشف تباطؤاً متسارعاً
البيانات الشهرية تؤكد أن التراجع لم يكن حدثاً معزولاً. فقد انخفض حجم الصفقات من 24 مليار دولار في يناير إلى 9 مليارات دولار فقط في فبراير، وذلك بعد إطلاق أدوات جديدة من Anthropic. ثم واصل النشاط الهبوط في الأشهر التالية، إذ بلغت قيمة الصفقات المنجزة أو المعلنة في مايو نحو 5 مليارات دولار، مقارنة بـ 29 مليار دولار في الشهر نفسه من العام الماضي.
هذا الانكماش السريع يشير إلى أن المستثمرين لا يعيدون فقط تسعير الشركات الفردية، بل يراجعون أيضاً افتراضاتهم الأساسية بشأن نمو القطاع كله. وفي حال استمر هذا المسار حتى نهاية العام، فإن 2026 قد يصبح أضعف عام لصفقات البرمجيات منذ 2018 من حيث النشاط الإجمالي، رغم أن السوق كان قد سجل في 2025 مستوى مرتفعاً وصل إلى 290 مليار دولار، وهو الأعلى منذ 11 عاماً.
محاولات انتقائية للعودة إلى السوق
رغم حالة التباطؤ العامة، لا تزال هناك صفقات متفرقة تعكس أن السوق لم يتوقف بالكامل. ومن الأمثلة على ذلك استحواذ شركة Hg الأوروبية على شركة Rightsline المتخصصة في حقوق الملكية بقيمة 500 مليون دولار في الشهر الماضي. لكن مثل هذه العمليات تبدو استثناءات أكثر منها بداية تعافٍ واسع.
ويرى مراقبون من بينهم ديفيد ووكر من Latham & Watkins أن المشكلة الأساسية حالياً ليست غياب الشركات الجاذبة، بل ضعف الثقة في مستقبل القطاع تحت تأثير الذكاء الاصطناعي. لذلك يفضّل كثير من المستثمرين التوجه نحو مجالات تبدو أقل هشاشة أمام التغير التقني السريع، أو انتظار مزيد من الوضوح قبل الالتزام بصفقات جديدة.
ما الذي يعنيه ذلك للشركات الناشئة؟
بالنسبة للشركات الناشئة في مجال البرمجيات، يحمل هذا المشهد رسائل واضحة. فالنمو السريع وحده لم يعد كافياً لإقناع المستثمرين، كما أن الولاء التقني أو قاعدة العملاء لا يضمنان تقييماً مرتفعاً إذا كان المنتج مهدداً بالتقادم أمام أدوات أكثر ذكاءً وأقل تكلفة. ولهذا أصبحت الأولوية للشركات القادرة على دمج الذكاء الاصطناعي في جوهر المنتج، لا الاكتفاء بإضافة طبقة سطحية فوق نموذج قديم.
كما أن مؤسسي الشركات الناشئة يحتاجون اليوم إلى إظهار مسار واضح نحو الكفاءة التشغيلية والتميّز التقني، لأن المستثمرين باتوا أكثر حساسية تجاه المخاطر المرتبطة بتغير بنية السوق. وفي ظل هذا التحول، قد تظل البرمجيات قطاعاً ضخماً وجذاباً، لكن شروط النجاح فيه أصبحت أكثر صرامة من أي وقت مضى.