تشهد سوق الاندماج والاستحواذ في بريطانيا مرحلة نشاط استثنائية، بعدما اندفع مستثمرون أجانب نحو شراء شركات مدرجة في بورصة لندن مستفيدين من تراجع تقييمات الأصول البريطانية، إلى جانب جاذبية الشركات التي تمتلك حضوراً دولياً واسعا. وبلغت قيمة الصفقات الأجنبية مستوى هو الأعلى منذ قرابة 20 عاماً، في إشارة إلى عودة الزخم إلى واحدة من أبرز أسواق رأس المال في أوروبا.
وتوضح البيانات الصادرة عن بورصة لندن أن قيمة عمليات الاستحواذ الأجنبية المنجزة منذ بداية العام وصلت إلى 128 مليار جنيه إسترليني. وهذه القيمة تتجاوز بنحو ثلاثة أضعاف ما تم تسجيله في الفترة نفسها من العام الماضي، كما تقترب من مستويات النشاط المرتفعة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2007. ويعكس هذا الأداء تحوّل السوق البريطانية إلى هدف بارز للمشترين الدوليين الباحثين عن صفقات كبيرة في بيئة سعرية أقل كلفة.
تراجع التقييمات يفتح الباب أمام المشترين
يرى مصرفيون وخبراء صفقات أن العامل الأبرز وراء هذا الارتفاع هو انخفاض أسعار الشركات المدرجة مقارنة بنظيراتها في أسواق أخرى، ما يجعل شراء الأصول البريطانية أكثر جاذبية للمستثمرين الاستراتيجيين وصناديق الاستثمار المباشر. وفي الوقت نفسه، تدفع رغبة الشركات العالمية في توسيع نشاطها خارج أسواقها المحلية إلى زيادة الإقبال على الشركات البريطانية، خاصة تلك التي تحقق إيرادات متنوعة من خارج المملكة المتحدة.
هذا التلاقي بين التقييمات المنخفضة وطموحات التوسع الدولي خلق بيئة نشطة للصفقات، حيث أصبحت العديد من الشركات البريطانية أهدافاً محتملة لشركات أميركية وأوروبية وصناديق استثمار تبحث عن فرص نمو أسرع أو عن موطئ قدم في قطاعات تتمتع بحضور عالمي.
صفقات بارزة تعزز الزخم
الزخم الحالي لم يأتِ من فراغ، بل تغذيه صفقات كبيرة أُعلن عنها في الفترة الأخيرة. من بين أبرزها استحواذ شركة إنجريديون الأميركية على شركة تيت آند لايل البريطانية مقابل 2.7 مليار جنيه إسترليني. كما قدمت مجموعة كي كي آر بالتعاون مع إنرجي كابيتال بارتنرز عرضاً للاستحواذ على مجموعة دي سي سي للطاقة في صفقة تبلغ قيمتها 5.7 مليار جنيه إسترليني.
وتشير هذه الأمثلة إلى أن قطاعات الأغذية والطاقة والبنية التشغيلية المرتبطة بها باتت ضمن أولويات المستثمرين الذين يبحثون عن شركات ذات تدفقات نقدية واضحة ونشاط يتجاوز الحدود المحلية. كما تعكس الصفقات الرغبة في اقتناص أصول يمكن إعادة هيكلتها أو توسيعها على المستوى الدولي خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.
السوق الكلية تسجل قفزة كبيرة
لا يقتصر الأمر على صفقات الاستحواذ الأجنبية فحسب، إذ أظهرت الأرقام أن إجمالي قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ التي تشمل شركات بريطانية ارتفع إلى 218 مليار جنيه إسترليني، بزيادة 88% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويعني ذلك أن بريطانيا تعيش موجة صفقات أوسع من مجرد مشتريات خارجية، تشمل أيضاً عمليات إعادة تموضع للشركات المحلية وتحركات توسع عبر الحدود.
ومن اللافت أن هذا الأداء القوي تحقق رغم التحديات الاقتصادية التي تلقي بظلالها على السوق العالمية، بما في ذلك تداعيات الحرب في إيران وتأثيراتها على مسارات التجارة والطاقة والتمويل. ومع ذلك، استفاد القطاع من قوة أسواق الأسهم العالمية ومن ميل كثير من الإدارات التنفيذية إلى استغلال نافذة الفرص الحالية قبل تغير ظروف التمويل أو ارتفاع تكاليف الاقتراض.
شركات بريطانية تتحرك أيضاً خارج الحدود
في المقابل، لم يكن المشهد البريطاني أحادي الاتجاه، إذ شهدت شركات بريطانية كبرى صفقات شراء خارجية تعكس رغبتها في التوسع في أسواق أكثر ربحية أو في قطاعات ذات نمو أسرع. ومن أبرز هذه التحركات استحواذ جلاكسو سميثكلاين على شركة تقنية حيوية أميركية متخصصة في علاج السرطان مقابل 10.6 مليار دولار، إلى جانب استحواذ شل على شركة كندية لإنتاج النفط الصخري بقيمة 16.4 مليار دولار.
وتوضح هذه الصفقات أن الشركات البريطانية الكبيرة ما زالت تمتلك قدرة على المنافسة والتمدد عالمياً، رغم الضغوط التي تواجهها في السوق المحلية. كما أنها تكشف عن اتجاه متبادل في سوق الصفقات، حيث لا يقتصر الاهتمام على شراء الأصول البريطانية، بل يمتد إلى استخدام الشركات البريطانية نفسها كمنصات توسع دولية.
مخاوف من تراجع دور بورصة لندن
ورغم أن ارتفاع نشاط الاستحواذات قد يُقرأ كإشارة إيجابية على حيوية السوق، فإنه يثير في الوقت نفسه مخاوف متنامية بشأن مستقبل الشركات البريطانية المدرجة. فموجة الشراء من جهات أجنبية تعني احتمال انتقال ملكية أصول واعدة إلى خارج البلاد، خاصة في ظل استمرار المنافسة مع أسواق الولايات المتحدة والملكية الخاصة.
وتأتي هذه الهواجس في سياق أوسع يتعلق بمكانة بورصة لندن، التي فقدت خلال السنوات الماضية عدداً من الشركات لصالح الانسحاب من السوق العامة أو الانتقال إلى أسواق أميركية أكثر جذباً للمستثمرين. لذلك، لا تنظر الأطراف المعنية إلى صفقات الاستحواذ الحالية بوصفها مجرد إشارة إلى السيولة، بل كاختبار لقدرة السوق البريطانية على الحفاظ على شركاتها الأكثر قيمة.
وبينما يستمر المستثمرون في ملاحقة الصفقات الكبيرة، يبدو أن بريطانيا دخلت مرحلة جديدة من المنافسة على الأصول المدرجة، مرحلة تجمع بين فرص تمويلية ضخمة وتساؤلات استراتيجية حول مستقبل الملكية، وحجم الشركات، ودور بورصة لندن في خريطة المال العالمية.